الاثنين، 29 يونيو 2026

قراءة-عجولة-في قصيدة "وليد محمد العامرية" للشاعرة الفلسطينية الفذة الأستاذة عزيزة بشير القفز نحو المجد: بين الامتحان الشخصي.. وامتحان الأمة بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 قراءة-عجولة-في قصيدة "وليد محمد العامرية" للشاعرة الفلسطينية الفذة الأستاذة عزيزة بشير

القفز نحو المجد: بين الامتحان الشخصي..


وامتحان الأمة


وليد محمّد العامريّة يجتازُ


امتحان (الهاي سكول) بامتيازٍ مُشَرِّفٍ 99/ 1oo  ما شاء الله !


أللهُ أكبر ُ والعطاءُ  فَريدُ


والفوْزُ  يُبْهِرُ والمَزايَا  ……..عَديدُ


يَابْنَ العَوامرِ،ألفُ ألفِ مُبارَكٍ


أولى السّلالمِ قد قَفزْتَ ….(وَليدُ)


أولى السّلالمِ قد قَفزْتَ فَلا  تَني 


فالقفْزُ بعدَهَا لِلمَعالِي..يَقودُ


مَنْ جدَّ  يَلْقَ  بِجِدِّهِ آمالَهُ


(نِتْنٌ) يُرَحَّلُ  والبِلادُ..تَعودُ


والكُلُّ يَسْعَدُ  والأمورُ سَتَنْجَلي


وَالعِلمُ  يَبْني وَالإلٰهُ..يزيدُ


والدّينُ يَرفَعُ  عالِماً وَمُعَلَّماً 


دُكتُور ْ مُهندِسِ يا وليدُ..نُريدُ!


تيتا/ عزيزة بشير


تقف قصيدة الشاعرة الفلسطينية الفذة الأستاذة عزيزة بشير عند لحظة احتفالية تبدو في ظاهرها حدثا عائليا شخصيا،لكنها سرعان ما تتحول تحت أناملها إلى لوحة وطنية ممتدة،حيث يصبح اجتياز وليد لامتحان "الهاي سكول" بامتياز مشرف ونسبة 99 من 100 محطة عبور إلى آفاق أرحب،فلا يكون النجاح الأكاديمي مجرد علامة في سجلّ مدرسي،بل يصبح امتحانا وجوديا للأمة بأسرها،وتتجلى براعة الشاعرة في قدرتها على تحويل هذا الحدث اليومي إلى رمز جمعي،حيث يمثل وليد كل شاب فلسطيني يترقب لحظة القفز نحو مستقبل مختلف،فتخرج القصيدة من دفء التهاني العائلية إلى فضاء التأويل السياسي والوطني،من غير أن تفقد روحها الإنسانية الدافئة.


تبدأ القصيدة بتكبيرها المهيب "أللهُ أكبرُ والعطاءُ فَريدُ"،وكأنها تعلن أن هذا النجاح ليس مجرد جهد بشري،بل هو عطاء إلهي متفرد،ثم تترى التهاني في قولها "يَابْنَ العَوامرِ ،ألفُ ألفِ مُبارَكٍ"،لكن سرعان ما تتحول التهنئة إلى حثّ ودفع حين تخاطبه "أولى السّلالمِ قد قَفزْتَ فَلا تَني"،وهنا تكمن المفارقة الجميلة،فالقفزة الأولى التي أنجزها وليد في سلمه الدراسي ليست نهاية المطاف،بل هي مجرد بداية لسلسلة متصلة من القفزات نحو المعالي،وكأن الشاعرة تريد أن تقول إن النجاح الحقيقي ليس محطة تستريح عندها،بل هو زاد يدفعك إلى ما هو أبعد،وهذا الإيحاء بالاستمرارية يخلق في النص حركة دائمة نحو الأعلى،فلا مكان للجمود في رحلة البناء والنهوض.


لكن الأكثر إدهاشا في هذه القصيدة هو ذلك التداخل العجيب بين الجدّ الشخصي والجدّ الوطني،فهي تستحضر المثل العربي الأصيل "من جدّ وجد" لتضعه في سياق تحرري واضح،فتقول "مَنْ جدَّ يَلْقَ بِجِدِّهِ آمالَهُ / (نِتْنٌ) يُرَحَّلُ والبِلادُ ……..تَعودُ"،وهنا تتحقق المعجزة الشعرية حيث يصبح اجتهاد وليد في دراسته فعل مقاومة ثقافية،وكأن كل درجة علمية يحققها تعادل خطوة في طريق تحرير الأرض،وكلمة "نتن" التي أوردتها الشاعرة بجرأة هي إشارة مباشرة إلى الاحتلال، مما يجعل النجاح الشخصي في سياقه الأوسع انتصارا على قوة الاحتلال التي يرمز إليها هذا الوصف،فالعلم هنا ليس مجرد معرفة،بل هو سلاح وجودي في مواجهة كل محاولات الطمس والاستلاب،وفيه تتحقق تلك المعادلة الخلاقة التي تجمع بين الجهد البشري والعون الإلهي حين تقول "وَالعِلمُ يَبْني وَالإلٰهُ …….يزيدُ"،وكأن البناء العلمي يستدعي بالضرورة مزيدا من العطاء الرباني،وكأن العطاءين يتعانقان في نسيج المصير الوطني.


وتتخذ القصيدة إيقاعا ترنيميا خاصا من خلال تكرار اسم "وليد" في نهايات الأبيات،فيصبح هذا التكرار ليس مجرد نداء شخصي،بل هو تثبيت للاسم في وجدان المتلقي كأنه صار رمزا يتجاوز صاحبه إلى كل شاب وليد في فلسطين والعالم العربي،إنها ترنم باسم واحد لتستحضر به أمة بأسرها،ثم تنتقل بنا في نهايتها إلى تلك اللحظة الخاتمة التي تختزل كل الأماني في سؤال يتضمن كل الأحلام "والدّينُ يَرفَعُ عالِماً وَمُعَلَّماً / دُكتُور ْ مُهندِسِ يا وليدُ……. نُريدُ!"،وهذا السؤال المفتوح، الذي ينتهي بتلك النقط الممتدة،ليس مجرد تمني عابر،بل هو إعلان عن ثقة مطلقة بالمستقبل، ورغبة عميقة في رؤية فلسطين التي يبنيها أبناؤها بالعلم والإرادة،وبالمهندسين والأطباء الذين ينهضون بواقعهم بأيديهم وعقولهم.


وإذا ما تأملنا القصيدة من زاوية أعمق،ندرك أنها برمتها هي امتحان آخر،امتحان في القراءة والتأويل،وفي القدرة على رؤية البذرة في كل نجاح والوطن في كل فرد،فهي تشبه تلك المرايا المحدّبة التي تجمع المشهد الصغير لتجعله كبيرا، والمشهد الخاص لتصوغه عاما،فحين ينجح وليد، تنجح فلسطين في امتحان الأمل،وحين يقفز فوق سلمه الدراسي،تقفز الأمة في سلم التحرر،وفي هذا التجاور الشعري الجميل تتحقق المعجزة، حيث يصبح الفرد محورا للجماعة،والنجاح الشخصي نافذة تطل على أفق وطني ممتد،وتلك القفزة التي بدأت بالكتب والدراسة تنتهي إلى وطن يعود وبلاد تتحرر.


 وفي النهاية،تظل هذه القصيدة التي تبدأ بتكبير الله وتنتهي بحلم الدكتور والمهندس،واحدة من أروع النماذج الشعرية التي تثبت أن الكلمة حين تكون صادقة وحارة ومؤمنة بقدرة الإنسان على التغيير،فإنها تستطيع أن تمنح حدثا عابرا خلودا لا ينتهي،وتجعل من نجاح شاب في امتحانه المدرسي قصة أمة بأسرها تجتاز امتحان البقاء والحضور.


"أللهُ أكبرُ والعطاءُ فَريدُ" بهذا التكبير تبدأ،وكأنها تعلن أن كل نجاح مشرف هو آية من آيات الله في خلقه،وأن العطاء الحقيقي والأسمى هو أن نرى في نجاح الغير نجاحا لنا جميعا،وفي قفزة وليد قفزة لكل من ينتظر أن يحين دور القفز،وفي فلسطين التي تعود حلم يراود كل وليد في هذا العالم.


وتظل هذه القصيدة،في خاتمتها الباذخة،شهادة حيّة على أن الشاعرة الأستاذة عزيزة بشير لا تكتب لتُهنئ فحسب،بل لتُؤسّس لرؤية كونية، حيث يصير الامتحان الشخصي مرآة لامتحان الأمة،والقفزة الفردية دربا لخلاص جماعي.


 إنها ترقى بالحدث اليومي إلى مصاف الأسطورة، لا بدعوى شعريةٍ زائفة،بل بقدرة فائقة على التماهي بين الذاتي والجمعي،بين الجهد البشري والعون الإلهي،بين العلم والمقاومة. 


في لغتها،تتنفس فلسطين،وتنبت حقولها من بين حروف التهاني،وتشرق شمسها من وراء دموع الانتظار.إنها ليست مجرد شاعرة ترصد الألم،بل قابلة للأمل،تفتح بأبياتها نوافذَ على مستقبل يُشرق في عين كل طالب يمسك بقلمه كأنه يحمل راية.


الأستاذة عزيزة بشير،بهذه القصيدة وغيرها، تجسد ثقافة المقاومة الراسخة التي لا تقبل القسمة،والممزوجة بالأدب الرصين،والشعر الذي لا يلهث وراء الزمن بل يسبقه،يصنع من الكلمة وطنا ويمنح الحرف سلطة البقاء حين تغيب كل سلطة.


متابعة محمد المحسن



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق