الأحد، 29 مارس 2026

من غزة إلى إيطاليا: حين يبلغ الأدب صدقه الأقصى..يتحرر من كل القيود أيضا (تقديم رواية "بحر غزة" للروائية الإيطالية تشيتشيليا بارودي*) بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 من غزة إلى إيطاليا: حين يبلغ الأدب صدقه الأقصى..يتحرر من كل القيود أيضا

(تقديم رواية "بحر غزة" للروائية الإيطالية تشيتشيليا بارودي*)


في زمن تتحول فيه الحروب إلى أرقام ونسب مئوية،وتذوب التفاصيل الإنسانية في طوفان الأخبار العاجلة،تبرز لحظات استثنائية تعيد الاعتبار للكلمة بوصفها فعلا مقاومة بامتياز.

و من بين تلك اللحظات،تقف رواية "بحر غزة" للروائية الإيطالية تشيتشيليا بارودي شاهدة على تحول العلاقة بين الكاتب ونصه،حيث لم يعد الأدب مجرد انعكاس للواقع،بل صار واقعا بذاته، يتنفس،يتحرك،وينتشل من العتمة ما تبقى من حياة.

لم تكن بارودي غريبة عن غزة حين قررت كتابة روايتها،فقد سبق أن وطأت أقدامها أرض القطاع في مطلع عام 2023،في رحلة لم تكن كأي رحلة، بل كانت،على حد تعبير الروائية الفلسطينية الإيطالية آلاء السيد،تحقيقا لحلم لم يكن كحلم غيرها من النساء.فبينما تحلم الأخريات بجزر المالديف أو باريس،كانت غزة هي الوجهة التي ارتعش لها صوت بارودي وتلألأت عيناها بنور نادر. تلك الرحلة منحتها ما لم تمنحها إياه أي تجربة أخرى،جعلتها تلمس معنى الحياة وتتذوق طعما وصفته بأنه "طعم الجنة"،في شهادة تبدو متناقضة ظاهريا مع واقع الحصار،لكنها تعكس عمق التحول الذي أحدثته غزة في روحها.

غير أن الأكثر إدهاشا في تجربة بارودي هو تحولها من كاتبة إلى ناشرة وإلى أداة إغاثية في آن واحد. فحين اندلعت حرب الإبادة على غزة،لم تنتظر بارودي دور النشر التقليدية،ولم تبال بمواسم النشر وزحام الجداول الزمنية،بل أسرعت بنشر روايتها بنفسها،لأن الهدف لم يكن مجرد إصدار أدبي،بل جمع المال وإرساله إلى غزة.

 بهذا المنطق،صارت "بحر غزة" موقعا إلكترونيا لا يبيع الرواية فحسب،بل منتجات متنوعة تذهب أرباحها كلها إلى أهل القطاع،متجاوزة بذلك الحدود التقليدية بين الثقافة والعمل الإنساني.

هذا الجسر الذي أقامته بارودي لم يقف عند روايتها،بل امتد ليحتضن أصواتا فلسطينية أخرى، وفي مقدمتها الكاتبة الشابة حنان عزايزة.فمن خيوط التواصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ومن الانبهار بكلمات كانت تنشرها عزايزة في أحلك أيام القصف،ولدت "خيوط الحياة"، المجموعة الشعرية التي ترجمتها بارودي إلى الإيطالية،لتصبح من أكثر الكتب مبيعا على موقع "بحر غزة".ثم تبعها "الكرسي الفارغ"،العمل الروائي الأول لعزايزة،الذي يروي قلق فتاة شابة لم تعرف في حياتها سوى الحصار والحروب،ليكتمل بذلك مشروع ثقافي استثنائي يجمع بين الترجمة والنشر والتضامن المباشر.

في هذه الترجمة،لم تكن بارودي مجرد ناقلة لغوية،بل كانت وسيطة روحية بين عوالم.تدرك جيدا أن العبور من لغة إلى أخرى ليس عملية ميكانيكية،بل تغيير في الأجواء والمشاعر،ولذا تعاملت مع نصوص حنان بعناية فائقة،محاولة أن تبقى وفية للكلمات قدر المستطاع،وأن تستشعر كل تفاصيل السرد. 

وهكذا صارت الترجمة،في سياق الإبادة،فعلا مقاومة بامتياز،وسيلة لإبقاء الصوت الفلسطيني حيا في لغة الآخر،ومقدمة لجمهور لا يعرف العربية لكنه قادر على التفاعل مع الألم الإنساني حين يُصاغ بلغة الأدب الصادق.

أما حنان عزايزة،التي رأت في نشر أعمالها بإيطاليا أكثر من مجرد حدث أدبي،فقد عبرت عن إدراكها العميق لكونية التجربة الأدبية حين قالت: "أدركت فيها أن الأدب حين يبلغ صدقه الأقصى يتحرر من الحدود،ويصير لغة كونية للقلق الإنساني والأسئلة الكبرى".وهذا الإدراك يجعلها تتطلع إلى نشر أعمالها بالعربية ليس كخيار لاحق،بل كضرورة فكرية وجمالية،لأن النص في لغته الأم يحمل طبقاته الدلالية الأكثر كثافة،وإيقاعه الداخلي الأكثر صدقا.وهي تعي أن التلقي العربي سيختلف عن الإيطالي،لا من حيث الكم بل من حيث النوع، لأن القارئ العربي يقرأ من داخل اللغة ذاتها ومن داخل الذاكرة الثقافية المشتركة،ما يجعله أكثر قدرة على المساءلة وأكثر حساسية تجاه طبقات النص الخفية.

ربما يكمن سر نجاح هذه التجربة في أنها تجاوزت المقاربة التقليدية التي تفصل بين الإبداع والنضال.فبارودي لم تكتفِ بكتابة رواية عن غزة، ولا بترجمة أعمال فلسطينية،بل جعلت من مشروعها الثقافي كله أداة للتضامن المباشر، متجاوزة بذلك إشكالية "التحدث باسم الآخر" التي كثيرا ما تُطرح في سياق الكتابة عن القضايا العادلة.لقد كانت واعية بأن الفلسطينيين هم من ينبغي أن يرووا قصصهم،لكنها في الوقت نفسه لم تتردد في استخدام موقعها وإمكاناتها لخدمة هذا الهدف،واضعة خبرتها كروائية ومترجمة في خدمة أصوات فلسطينية شابة،ومحولة إيرادات أعمالها إلى مساعدات إنسانية مباشرة.

وهذا النموذج في العمل الثقافي،الذي يجمع بين الإبداع والنشر والترجمة والعمل الإنساني،يطرح أسئلة أعمق حول دور المثقف في زمن الإبادة. ففي لحظة تتصاعد فيها الأصوات المطالبة بالفصل بين الثقافة والسياسة،أو تلك التي تختزل دور الكاتب في الإنتاج الأدبي "الخالص"،تقدم تجربة بارودي وعزايزة نموذجا مختلفا،نموذجا يجعل من الأدب فعلا حيويا متداخلا مع الواقع،لا ينأى بنفسه عن هموم الناس،بل يصير أداة ملموسة للتخفيف من معاناتهم.

لقد استطاعت بارودي،من خلال موقع "بحر غزة"، أن تبني جمهورا إيطاليا تفاعل مع هذه التجربة بشكل لافت،إذ أعيدت طباعة "خيوط الحياة" ثلاث مرات،ويشق "الكرسي الفارغ" طريقه بنجاح رغم أنه صدر قبل أشهر قليلة فقط.وهذا التفاعل، كما تصفه بارودي،يأتي خارج إطار إعلام التيار السائد،لكنه في نظري نعمة لا نقمة،لأنه تفاعل حقيقي قائم على الاقتناع لا على الضجيج الإعلامي،تفاعل يثبت أن الأدب حين يكون صادقا ومتجاوزا للحدود،فإنه يجد طريقه إلى القلوب مهما كانت الظروف.

وتبقى شهادة بارودي عن غزة هي الأكثر إدهاشا، في هذا السياق،حين تقول إن رحلتها إلى القطاع كانت أعظم ما حدث في حياتها،وأنها هناك عرفت معنى الحياة وعرفت الله،وتذوقت طعم الجنة. إنها شهادة تحيل السائد عن غزة كمكان للمعاناة فقط،إلى رؤية أكثر عمقا،ترى في صمود أهلها وأرضها ما يفوق حدود الجغرافيا والسياسة، ليصير القطاع في وعيها "امتدادا لأرض مقدسة، أرضا مباركة". 

هذا التحول في النظرة،الذي جعل من غزة محطة تحول روحي،هو ذاته الذي جعل من الأدب الإيطالي جسرا يصل إلى أعماق التجربة الفلسطينية،ليس من باب الاستغراب أو الاستعطاف،بل من باب الإدراك أن هناك أسئلة إنسانية كبرى لا تعرف الحدود،وأن الأدب حين يبلغ صدقه الأقصى يتحرر من كل القيود أيضا.

إن "بحر غزة" ليست مجرد رواية تقرؤونها،بل هي تجربة وجودية كاملة،وشهادة إنسانية نابضة بالصدق،وجسر ثقافي نادر يربط بين ضفتين تبدوان بعيدتين لكنهما تلتقيان في عمق الإنسانية. إنها دعوة مفتوحة لأن تكونوا جزءا من هذه اللحظة التاريخية التي يصنع فيها الأدب فرقا حقيقيا،ولأن تشهدوا كيف يمكن لكلمات أن تتحول إلى حياة.

 اقرأوا "بحر غزة" ولن تقرؤوا فقط قصة غزة،بل ستعيشون معنى التضامن في أسمى تجلياته.


محمد المحسن


*تشيتشيليا بارودي (Cecilia Parodi) هي روائية وكاتبة إيطالية،وُلدت في جنوة عام 1975،وتقيم حاليًا في جزيرة سردينيا .

تشتهر بأعمالها الأدبية التي تُعالج قضايا اجتماعية ونفسية عميقة،ومن أبرز أعمالها:

· "الضوء الأبيض للصباح" (La luce bianca del mattino): روايتها الأولى الصادرة عام 2021، وهي قصة تكوينية (رواية تشكيل) تدور أحداثها في سردينيا،وتحكي قصة بيانكا التي تنمو في عائلة مضطربة وتواجه الخسارة والأسرار العائلية .

· "أمام امرأة" (Davanti a una donna): روايتها الثانية الصادرة عام 2022، وهي قصة قصيرة تركز على شخصية نعومي، وهي امرأة متحولة جنسيًا، وتتناول موضوعات مثل التفاوت الاجتماعي والظلم داخل جدران السجن .

في أكتوبر 2025،قضت محكمة إيطالية بسجنها لمدة عام ونصف (مع إيقاف التنفيذ) بعد إدانتها ببث كراهية عنصرية ومعاداة السامية،وذلك إثر نشرها مقطع فيديو وجهت فيه عبارات مسيئة للسيناتورة مدى الحياة ليليانا سيغري .



الخميس، 26 مارس 2026

قراءة نقدية:" تجربة الققجية مع البوليفونية" ( الققجية بين متعة الشكل وواقعية المضمون) التفريغ النصي:" الحق يُفتكّ افتكاكا" الققجية: "سيناريو محدث" الكاتبة السورية : الهام عيسى الناقدة التونسية : جليلة المازني

 قراءة نقدية:" تجربة الققجية مع البوليفونية"

( الققجية بين متعة الشكل وواقعية المضمون)

التفريغ النصي:" الحق يُفتكّ افتكاكا"

الققجية: "سيناريو محدث"

الكاتبة السورية : الهام عيسى

الناقدة التونسية : جليلة المازني


أ - المقدمة:

القصة القصيرة جدا(ق. ق . ج) حسب ما ورد في الموسوعة ويكيبيديا هي "جنس أدبي نثري حديث يتميز بالتكثيف الشديد والايجاز والمفارقة لا تتجاوز غالبا بضعة أسطر وتركز على مشهد واحد او لقطة خاطفة معتمدة على الرمز والايحاء بدلا من الوصف والتفصيل وتنتهي بنهاية غير متوقعة تصدم القارئ وتثير تفكيره"


بيد أن الكاتبة الهام عيسى تطالعنا في ققجيتها " سيناريو محدث"  بشكل جديد للققجية يعيد النظر في شكلها ويسلط الضوء على واقعية مضمونها باستخدام اداة المسافة الجمالية بين أفق توقع القارئ وأفق النص وفق نظرية التلقي الحديثة للمدرسة الالمانية وعلى رأسها " ياوس  و آيزر".


ب- التحليل: :" الققجية بين متعة الشكل وواقعية المضمون"


1- في قراءة العنوان: "سيناريو محدث":

لقد ورد عنوان الققجية مركبا نعتيا .


والسيناريو المحدث كما تعرّفه موسوعة ويكيبيديا " هو نص أو مخطط لأحداث, قصة, أو خطة عمل تمّ تعديلها, تطويرها أو مراجعتها لتشمل معلومات جديدة, تغييرات في الحبكة او تحسينات نهائية.."


وفي هذا الاطار أي تعديل او أي تغييرات في الحبكة او أيّ جديد طرأ على ققجية "سيناريو محدث"؟

ان هذه الققجية قد اتسمت بالمتعة شكلا وبالواقعية مضمونا :

2- الققجية  بين متعة الشكل وواقعية المضمون:

أ-  الققجية ومتعة الشكل:

لقد استخدمت الكاتبة الهام عيسى راويا عليما يتحدث من وجهات نظر متعددة  أو ما يسميه الناقد الروسي ميخائيل باختين بتعدد الأصوات من خلال تحليل رواية "الجريمة والعقاب " للأديب الروسي فيودور دوستويفسكي  او ما يسميه الباحث هنري جيمس "زوايا نظر"(1).

لقد اهتمّ ميخائيل باختين  بتحليل الرواية تحليلا يعتمد على المستوى التركيبي للنص ليكشف من خلاله عن العلاقات الاجتماعية بين الواقع المعيش وعالم الرواية.

وفي هذا الاطار فان الكاتبة الهام عيسى تضع بصمتها لتطبيق تعدد الاصوات على الققجية.

وهنا قد يتدخل القارئ متسائلا:

-هل يمكن أن نعتبر الكاتبة الهام عيسى هي من مُبتكري  الققجية  المتعددة الأصوات كما اعتبر ميخائيل باختين ان" دوستويفسكي هو مبتكر الرواية المتعددة الاصوات"؟

وتعدد الاصوات (البوليفونية)في الققجية رغم ضيق المساحة عبر تداخل منظورات الشخصيات

 يمثل هروبا من أحادية السرد الى نسبية الحقيقة مانحا النص عمقا دلاليا.

ومن مميزات تعدد الأصوات (البوليفونية) في القصة القصيرة جدا:

- منظورات متعددة : تصوير الحدث الواحد من زوايا نظر مختلفة او متعارضة مما يرسخ نسبية الرؤية(2) :

والكاتبة طرحت على المتلقي في ققجيتها تسعة أصوات او وجهات نظر مختلفة لتصوير حدث واحد لشعب مضطهد فنجد:

- صوت العدو

- صوت عين الراصد

- صوت المصور

- صوت الحكومة

- صوت التاجر

- صوت القانون

- صوت حملة الفكر والكتاب

- صوت ضمير العالم

- صوت المواطن


 ولعل الكاتبة الهام عيسى تتخفى وراء العنوان الذي اختارته " سيناريو محدث" لتمرير رسائل ناقدة للمجتمع المحلي او المجتمع العالمي فنجدها تستند الى عدة أصوات من تركيبة المجتمع لمعارضتها او للتخفي وراءها وهي حيلة من حيل المبدع لتقديم أفكاره وطرحها على المتلقي.


وفي هذا الاطار فان الكاتبة قد جمعت في هذا السيناريو المحدث تسعة مكونات لمجتمع مضطهد للكشف عن وجهات نظرهم ولفضحها من وجهة نظرها كراوية عليمة بمواقف هذه المكونات للمجتمع.


وبذلك فانها حولت الققجية  من مجرد حدث مباشر الى لوحة درامية:

نجد هذا الشعب المضطهد وجميع مكونات المجتمع ينهشه اعلاميا وسياسيا واخلاقيا واقتصاديا وابداعيا وانسانيا..

وكأني بالكاتبة وهي تفضح وجهات نظرهم تخفي حوارا ضمنيا بينهم ولا تتسع مساحة الققجية لعرضه

وبالتالي لعل الكاتبة  الراوية تمثل الصوت العاشر الذي يفضح بقية الأصوات.

لعل هذا السيناريو المحدث قد طوّر الققجية شكلا باستخدام تقنية تعدد الاصوات والحوار الضمني

 وفي هذا الاطار هل ان هذا السيناريو المحدث سيغير الققجية على مستوى المضمون ؟:

2- الققجية وواقعية المضمون:

ان الكاتبة قد جعلت هذه الاصوات التسعة تتحدث عن نفس الحدث وهو" اضطهاد الشعوب".

لقد استهلت الكاتبة ققجيتها بصوت العدو باعتباره الفاعل في اضطهاد أي مواطن و اي شعب . وقد جعلته يتصف بالارهابي الذي يبث الرعب(وارتجفت البناية  رقم واحد) ويرتب ضحاياه ( نفخ في الصفارة الاولى/ كانت التهم تنتظر على الطاولة)

ان هذا العدو يستعين بعين الراصد التي ترصد الضحية لتجعل  التهم على مقاس كل ضحية(تخيط الحكاية على مقاس الرواية التي تشتهيها).

وبالتالي تكون الحكاية محبكة وفق مصالحها التي لا تدعو الى الشك.

ويأتي دور المصور كإعلام من مهامه التوثيق والتاريخ يكتبه المنتصرون  فيشيد بالقادة ويلمّع صورهم (يعلق وجوه القادة على الجدران كشموس ورقية)

والكاتبة لا تخفي عن القارئ تهكّمها بتشبيه القادة بالشموس الورقية بما فيها من هشاشة وكذب ووهْم.

اما الحكومة  فهي متواطئة مع هذا العدو وكأنها على علم بما سيحدثه العدو( مدت خيامها على عجل كمن يفرش ظله قبل العاصفة)

 وأكثر من ذلك فالحكومة متواطئة مع المنظمات التي تزعم الدفاع عن حقوق الانسان (وأسماء الضحايا مكتوبة بحبر المنظمات).

والتاجر في اطار هذا التواطؤ الاعلامي والحكومي لايشذ عنهم في خدمة مصالحه  والاصطياد في الماء العكر بممارسة الاحتكار في الغذاء وممارسة السوق السوداء لبيعه بأسعار خيالية لا تقدر عليها كل شرائح المجتمع.

والقانون الذي هو من المفروض فوق الجميع و سيف على رقبة كل متواطئ ومحتكر ومتلاعب بحياة الشعب هو بدوره غيرمستقل لأنه يخاف على مصالحه ويعجز عن قول الحقيقة.

أما حملة الفكر والكتاب فهم منقسمون بين متواطئ مع العدو خوفا على معيشته ولعل قلة منهم من الاحرار لا ترى كتاباتهم النور.

وفي صلب هذا الظلم المستشري فان ضمير العالم شبه ميت (أصيب بنكسة حضارية  وأخذ يراقب دون حراك).ان ضمير العالم هو بين يقظة عاجزة وتماوت مستمر.

وتختم الكاتبة بصوت المواطن الذي جعلته آخر الأصوات وهذا ليس اعتباطا من الكاتبة بل لأنها تدرك ان صوت المواطن في أي مجتمع هو صوت مهمش وغير مسموع..

لقد جعلت الكاتبة المواطن مشردا بلا مأوى (يفترش الأرض والارصفة )وهو بين ذكريات الواقع المرّ وأفق يحرره.

ومن خلال تعدد أصوات الشخصيات في الققجية فان الكاتبة تضمر تعدد الإيديوليجيات  ومختلف الرؤى والوقوف على الموجود والتوق الى المنشود...

ان الكاتبة قد استخدمت ما يُصطلح عليه في نظرية التلقي الحديثة بجمالية المسافة بين أفق توقعات القارئ وافق النص.

ان ما انتظره القارئ وهو يلامس العنوان  من تجديد وتطور في السيناريو قد وقف على عكسه بمتن الققجية التي ارادتها الكاتبة حمالة لرسائل متعددة من وجهة نظر ميتاسردية:

3- الميتاقص (الميتاسرد) في الققجية:

أ-  مفهوم المتاقص في الققجية  (3):

"لقد اهتمت القصة القصيرة جدا في وقت مبكر بتوظيف الميتاسرد بمختلف أشكاله الفنية والجمالية والاسلوبية باستعمال التكثيف تارة والميل نحو الحذف والاضمار تارة اخرى.."

.ويقصد بالميتاقص  ذلك الخطاب المتعالي الذي يهتم بالعملية  الابداعية نظرية وابداعا ونقدا وتوصيفا برصد عوالم الكتابة الحقيقية ".

وفي هذا الاطار فإن الكاتبة من خلال ققجيتها قد وصفت للقارئ مشهدا واقعيا وهي تضمر مشهدا آخر.

ان استخدام الكاتبة لتقنية تعدد الأصوات تُوهِم القارئ بديمقراطية  المشهد لكن سرعان ما يُكسِر أفق الققجية أفق توقعات القارئ.

وفي هذا الاطار فان الكاتبة من خلال ققجيتها تبث رسائل للقارئ  فهي

تهدم لتبني وتقوض لتؤسس:

+ هدم مشهد مجتمع قائم على:

*ىسيادة اللامعنى:

و سيادة اللامعنى كما ورد بموقع الجزيرة نت هو مصطلح يشخص حالة من الهشاشة الثقافية والفكرية التي تعمّ الحياة العامة ومن مظاهرها:

- سيادة اللافعل: والقارئ يلامس في كل ارجاء الققجية تفشي السلبية والمفعولية بدل الفاعلية فلا عين الراصد كانت فاعلة بالموضوعية المطلوبة ولا المصور يلتقط صوره بنزاهة واقعية ولا الحكومة تحمي شعبها ولا القانون عادل ولا المبدع حرّ في كتاباته.

- سيادة التفاهة والابتذال: ان التواطؤ الذي اتسمت به كل مكونات هذا المجتمع جعل منه مجتمعا تافها لا يُطمَأن له حاضرا ولا يبني  مستقبلا. وهذه التفاهة تكون سببا لانتشار اليأس لدى الافراد فالمجموعات فالمجتمع الذي ينتهي بانهياره .

+بناء مشهد مجتمع قائم على:

- الحب: ان الكاتبة  ترفض تصدّر صوت  العدو الذي يفرض هيمنته على كل مكونات المجتمع (الوطني او العالمي) ولذلك فهي تتوق الى مجتمع يسوده الحب بعيدا عن وجع الأحقاد والاطماع والمصالح الضيقة

- استقلالية الاعلام : ان الاعلام باعتباره السلطة الرابعة قادر على الوقوف ومواجهة العدو لاسقاطه

- سلطة مستقلة وشعبية للحكومة: ان الحكومة لن تكون قادرة على النهوض بالمجتمع ما لم تكن مستقلة لترفض كل تعليمات العدو.

- سيادة الأخلاق الحميدة :ان الكاتبة ترفض كل انواع الاحتكار خاصة في الغذاء باعتباره حياتيّا.

- استقلالية القضاء :ان الكاتبة تدعم استقلالية القضاء حتى يسود العدل.

- حرية التعبير: ان الكاتبة تدعم حرية التعبير حتى يستطيع المبدعون الارتقاء بالابداع نحو العالمية والانسانية.

- يقظة ضمير العالم:  ان الضمير العالمي اليقظ  يساهم في انتشال المظلومين من جور العدو.

- منح الاعتبار للمواطن باستعادته لإنسانيته وآدميته : ان الكاتبة تدعم استعادة المواطن لإنسانيته وأفضليته على بقية الكائنات (ولقد كرّمنا بني آدم..).

والكاتبة ختمت بصوت المواطن كقفلة مدهشة للقارئ لم يكن ليتوقعها  وهي تحمّل المواطنَ رفض واقع مُزرٍ له شبيه بالحيوان (يفترش الارض والارصفة) لتكون على يديه ولادة جديدة للمجتمع.

والكاتبة باستخدام تقنية تعدد الاصوات (البوليفونية)  في الققجية تجسد مناخا فنّيا تمنح فيها استقلالية الشخصيات دون هيمنة الصوت الواحد مما يجعل النص يعكس حيوية الواقع .

ويرتبط تعدد الاصوات ديمقراطيا بكسر المركزية السردية محولا النص الى فسيفساء من وجهات النظر المتساوية في الحق بالتعبير.

ولئن كانت الكاتبة هي الصوت العاشر باعتبارها الساردة العليمة فهي قد بلّغت عن صوت كل شريحة  في المجتمع  ايمانا منها بديمقراطية الخطاب المسرود.

ان علاقة تعدد الاصوات بالديمقراطية:

- يماثل تعدد الاصوات التعددية السياسية والاجتماعية في المجتمع

- يمنح  صوت الاخر من ابلاغ صوته المهمش.

- يُحرّر المتلقي: تعدد وجهات النظر يجبر القارئ على المشاركة في انتاج المعنى مما يعزز حرية التفكير والتحليل.

والكاتبة باعتبارها ترسي ممارسة فنية جديدة قائمة على البوليفونية (تعدد الاصوات) بالققجية لم تتح لها مساحة الققجية القائمة على الايجاز ان تجعل الشخصيات تتحاور مع بعضها البعض في جوّ من المساواة الفكرية. فعمدت الى تحمل المسؤولية لتبليغ  أصوات كل الشخصيات.

وفي هذا الاطار فان الكاتبة الهام عيسى قد جعلت الققجية تتحدث عن هاجسها من أجل ارساء "سيناريو محدث "آ خر متطور ومتجدد يتوق الى جعل السيناريو بين كل مكونات  المجتمع فاعلا يُحرّر كل مكون  في تركيبة المجتمع اعلاميا ( الراصد والمصور)وسياسيا (الحكومة)وأخلاقيا واقتصاديا (التاجر) وقانونيا (القانون) وابداعيا ( حملة الفكر والكتاب) وانسانيا (ضمير العالم) ووطنيا (المواطن).

وبذلك يتحرر كامل المجتمع الوطني او العالمي من سياسة القطيع والتبعية والولاء للعدو الذي يفتك بالشعوب ويجعلهم ضحايا الواحد تلو الآخر.

والكاتبة هنا تطرح ثنائية القوة والضعف : قوّة العدو وضعف بقية الاطراف التي تتلقى التعليمات وتطبقها خوفا على مصالحها الضيقة.

ولعل الكاتبة الهام عيسى تتقاطع مع قول ارنستو شي جيفارا:" الحياة لا يحكمها مفهوم الحق والباطل ولا مفهوم الأخلاق والمبادئ والمثل العليا ..الحياة يحكمها مفهوم القوة والضعف.. الذكاء والغباء.. التكيف  او الاندثار ..فحقك لا بد ان تأخذه بالقوة والذكاء والتكيف مع الواقع.. فقد تطورنا عبر ملايين السنين من كائنات  تفترس بعضها البعض ماديا الى كائنات تفترس بعضها ماديا ونفسيا وحقوقيا أيضا..."

سلم قلم الكاتبة الهام عيسى هذا القلم المتمرد ايمانا منها بالتجديد شكلا ومضمونا بالققجية.

لقد انهيت قراءتي النقدية  للققجية ونبْع الامتاع والمؤانسة لم ينْضب بعْدُ...

بتاريخ 18/ 03/ 2026

المراجع:

(1) مميزات وآليات تعدد الاصوات في القصة القصيرة جدا: منظورات متعددة - "صحيفة العرب"

(2) الحوارية وتعدد الاصوات...ثورة ميخايل  باختين في عالم الرواية-الجزيرة نت -27/ اكتوبر 2024

(3) جميل حمداوي – اسئلة الميتاسرد في القصة القصيرة جدا(شفير النوايا الحسنة) للبنى اليزيدي نموذجا

==========

"سيناريو محدث". ق ق ج

==========

بقلم الهام عيسى

======

 : العدو

نفخ في الصفارة الأولى، فارتجفت البناية رقم واحد كعصفورٍ تحت المطر، وكانت التهم تنتظر على الطاولة مثل مفاتيح صدئة تعرف الأقفال مسبقًا ..!

 عين الراصد:

زرعت عيونًا زجاجية في الزوايا، عيونًا تعرف كيف تخيط الحكاية على مقاس الرواية التي تشتهيها ..!

المصور:

يعلّق وجوه القادة على الجدران كشموسٍ ورقية، قبل أن يهبط المساء عن عروش الكراسي ..!

الحكومة :

مدّت خيامها على عجل كمن يفرش ظلّه قبل العاصفة، وهي تعرف أن الريح تحمل معها أكياس المعونات وأسماء الضحايا مكتوبة بحبر المنظمات ..!

 التاجر :

احتكر الغذاء وفقًا لرؤية وصلات سياسية متسقة، إذ إنها فرصة لتطوير تجارته وتوثيق علاقاته

القانون: عاجز عن قول الحقيقة، مهدد بفقدان الحصانة

 حملة الفكر والكتاب منقسمون :

 يدون بعضهم مكرهين لأغراض المعيشة والسلامة ما يخدم الساسة ومحتكري سبل الحياة

 ضمير العالم :

 أُصيب بنكسة حضارية وأخذ يراقب دون حراك

المواطن :

 يفترش الأرض والأرصفة، يحتفظ بذاكرة حية بعيون تتطلع لاعتناق ثرى الولادة وبقايا حطام الذكريات!



هندسة الزمن المعلّق: قراءة-عجولة-في فردوس-الشاعرة التونسية أ-سعيدة الفرشيشي من خلال قصيدتها "الجنة الضائعه" بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 هندسة الزمن المعلّق:

قراءة-عجولة-في فردوس-الشاعرة التونسية أ-سعيدة الفرشيشي من خلال قصيدتها "الجنة الضائعه"


هناك حيث تنسج الشاعرة التونسية القديرة الأستاذة سعيدة الفرشيشي مملكتها على وقع الساعات،لا تخضع لمنطق الزمن الخطي المتعاقب، بل تعيد تشكيله وفق ما تمليه الذاكرة والرغبة،في أسلوب إبداعي مذهل يجعل من الزمن مادة قابلة للطي والتمدد،وكأنها تمسك بخيوط الساعة بيد نحّاتة تعيد صياغة الكون وفق رغبة القلب.إن قدرة الفرشيشي على توظيف التفصيلات اليومية الصغيرة (كصفاء الضوء في غرفة،أو دقات ساعة) لتكون بوابات إلى أسئلة كبرى حول الوجود والفقد والخلود،هي ما يمنح نصوصها هذه الحدة الشعورية الفريدة.

"الجنة الضائعة" ليست مجرد عنوان في ديوانها، إنها،في هندستها الخاصة،حالة وجودية تمزج بين الفقدان والانتظار،بين النهار الذي يصبغ الغرفة بشفيف الضياء،وبين الساعات التي تتوالد في النص ككائنات حية مفترسة تأكل الأيام الجائعة. إنها قصيدة المعلقات الزمنية،حيث يتلبس الحلم باليقظة،ويتحول العاشق إلى أرض زرعت فيها الحقيقة بعد شك وظن.فالفرشيشي هنا تنسج فضاء شعريا هشا وجبارا في آن،تصافح فيه الميتافيزيقي عبر حميمية الجسد،وتجعل من انتظار الحبيب تأملا في الخلود والفردوس الآتي، بأسلوب لا يعرف التكرار،بل يبتكر لكل لحظة لغتها الخاصة.

تتقدّم الشاعرة بقصيدتها التي تقول فيها:


الجنة الضائعه


هي الساعة التاسعه

تدق لتأكل أيامي الجائعه

هي الشمس قد لونت بشفيف الضيا غرفتي الرائعه

أخاطفة أنا حلمين في لحظتي اليانعه

فحلم أمارس فيه انذلاقي عصفورة حرة وادعه

وحلم ستحملني الشمس فيه نهاراً الى جنتي الضائعه


هي الساعة العاشره..

أنا لست دارية أين أمضي ولكنني ما فقدت بدربي الأمل

فخذني اليك حبيبي لعلي اذا انت راقبتني سوف يوماً نصل

وأحرى بنا ان نطول الفراديس في الآخره....


هي الساعة الصفر....

لا ترحل الآن عني

فأنت الذي قد زرعت الحقيقة في خلدي بعد شكي وظني

أنت الذي عشت منه كما عاش مني

أصارحك الآن أني...

أصير كلاً شيئ ان أنت يوماً تخليت عني


غداً سوف نكمل فصل الروايه

فَنَم يا حبيبي قرير العيون

فقلبي الذي بين جنبيك ينبض لا لن يهون

فقد صدق الوعد كي يلتقيك بأحلى نهايه


في هذا النص،تثبت سعيدة الفرشيشي أن الجنة ليست مكانا يُستعاد،بل وعدٌ يُبنى بالكلمة.إنها تتعامل مع الزمن وكأنه مادة خام قابلة للتشكيل: الساعة التاسعة تفتتح الألم بتجسيدها "لحظة اليانعة" المنقسمة بين حلم العصفورة وحلم الشمس،والعاشرة تعلن التيه البهي الذي لا يفقد الأمل،بل يطاول الفراديس،والساعة الصفر تتوقف فيها الذات عند لحظة الخشية الأكثر حضورا، حيث تتحول الرغبة إلى وجود: "أصير كل شيء إن أنت يوماً تخليت عني". إن هذه اللحظة الصفرية هي لحظة التعريف الجوهري للعاشق، حيث لا وجود للذات خارج مرآة الآخر.

القصيدة في مجملها ليست رثاء لفردوس مفقود، بل هي إعلان عن فردوس في طور التكوين،وهي هنا تبرهن على قدرتها المذهلة على جعل اللغة معادلا للخلق.ففي الساعة "الصفر" التي يموت فيها الزمن الخطي،تولد لحظة التوحد الكلي.وفي الوعد بـ"غداً" الذي سيكمل الرواية،نرى كيف أن الانتظار عند الفرشيشي ليس فراغا،بل هو ذات القصيدة نفسها.إنها كتابة الفجيعة المحتملة التي تتحول إلى نشيد للثقة،حيث يلتقي الوعد بنهاية "أحلى" لأن الحب قد صار هو الزمن نفسه،والانتظار قد صار هو الخلود.

بهذا،تخرج الشاعرة التونسية الكبيرة أ-سعيدة الفرشيشي الغائب من دائرة الفقد إلى دائرة الحضور الشعري المطلق.إنها تنتصر على الزمن ليس بهروبه،بل بوعيه العميق،وبتفكيكه إلى لحظات تتحكم فيها هي بإرادة الحب والأمل. "الجنة الضائعة" ليست في النهاية ضائعة لأنها فُقدت،بل لأنها انتظرت من يأتي بها لغة.وهنا تكمن المعجزة: أن القصيدة نفسها تصير هي الجنة التي لا تضيع،تلك التي لا تبنى من سعف الجنان،بل من سعف الكلمات التي تمسك بساعات العمر قبل أن تفلت.

عندما تقرأ سعيدة الفرشيشي،تشعر أن الزمن ليس عدوا،بل هو قماش ناعم بيدها تنسج منه فردوسا خاصا،فردوسا يبدأ من دقات الساعة التاسعة ولا ينتهي عند حدود الصفر،بل يمتد في "غداً" الأبدي الذي وعدت به.إنها حقا شاعرة لا تكتب القصائد بقدر ما تبني عوالم،ولا تصف الانتظار بقدر ما تجعله هو ذاته الخلود.

وأود هنا،بمنأى عن المجاملة أو المحاباة التي تفسد طبيعة القراءة النقدية،أن أشير بصفتي قارئا إلى أن ما يثير الإعجاب حقا في تجربة الشاعرة التونسية الفذة سعيدة الفرشيشي هو قدرتها الفائقة على انتهاك المألوف في بناء الصورة الشعرية،فهي لا تصف الانتظار،بل تجعله كائنا حيا ينمو ويتحول عبر الساعات.إنها شاعرة تمتلك ناصية اللغة السرية،حيث تنتقل بين الذاتي والأسطوري بسلاسة فائقة،وتستطيع أن تجعل من تفاصيل الساعة اليومية (التاسعة،العاشرة،الصفر) أسطورة خاصة للحب والفقد.أما في مقاربتي النقدية لهذا النص،فقد حاولت قدر الإمكان أن أكون أمينا للنص وحده،لا للعلاقة الشخصية أو للوجاهة الاجتماعية،لأن النقد الحقيقي يبدأ حيث تنتهي المجاملة،وهذه القصيدة بالذات تستحق هذه الأمانة،فهي من النصوص التي تفرض على من يقرأها أن يخلع رداء المجاملات ويتواضع أمام دهشتها التركيبية وجمالياتها الهندسية المذهلة.


محمد المحسن





الأربعاء، 25 مارس 2026

يا سيدة الكلمة: انتصري بالعطر والدم "فلسطين في القلب..والإمارات وطن" الإهداء : إلى الشاعرة الفلسطينية المغتربة الأستاذة عزيزة بشير بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 يا سيدة الكلمة: انتصري بالعطر والدم

"فلسطين في القلب..والإمارات وطن"


الإهداء : إلى الشاعرة الفلسطينية المغتربة الأستاذة عزيزة بشير


هي ليست مجرد شاعرة تسكنها القوافي،إنها امرأة صنعت من الحرف درعا،ومن القصيدة مملكة.هي التي اختارت أن تكون الكلمة سلاحها في زمن تكسرت فيه الرماح.تقف اليوم على أرض الإمارات،تلك الأرض التي وسعت حلمها واحتضنت نبضها،لكن روحها تظل مشدودة إلى تراب فلسطين،إلى زيتونها الذي لا يموت،وإلى عبقها الذي لا يخبو مهما اشتدت الرياح.

وفي زمن تعصف فيه العواصف،وتتلاطم فيه الأمواج،أنتِ يا سيدة الحرف والبهاء،مدعوة لأن تكوني أكثر من شاعرة.أنتِ ذاكرة الجرح،وأنتِ صوت من لا صوت لهم.

احتدام العواصف لا يليق إلا بمن يعرف كيف يثبت،وكيف يرسخ قدميه في الأرض كالنخلة، عروقها في العمق،ورأسها في السماء.والإمارات، تلك الأرض التي احتضنتك،ليست مجرد وطن بديل،إنها امتداد لعروبة أصيلة،وصورة معاصرة للكرم العربي الذي قالت فيه العرب أبدع القصائد.

استخدمي سلاح الكلمة،فهو السلاح الوحيد الذي لا يصدأ،ولا يعرف كيف ينكسر.فالكلمة في زمن الحروب قد تكون أشد فتكا من الرصاصة،فهي تسبق الجيوش وتمهد للانتصارات،وهي التي تصنع الهزائم أحيانا حين تغيب.والكلمة حين تكون صادقة،وحين تنبض بدم الشاعر وروحه،تصبح قادرة على اختراق الجدران،وتحطيم الصمت، وإشعال الثورات في قلوب الغافلين.

هناك في منزلة بين النفي والانتماء،حيث تلتقي غربة فلسطينية بدفء إماراتي،تولد كتابة استثنائية لا تشبه أي كتابة.أنتِ يا من حملتِ في وجدانك سِفرين: سفر النكبة الذي لا يُطوى،وسفر النهضة الذي لا يتعب.هذه الثنائية تمنحك قدرة نادرة على الرؤية من زاويتين: زاوية المنفي الذي يفقد وطنه فيحمل ترابه في عروقه،وزاوية المكرمة الذي يجده في أرض جديدة فتُصبح وصية في عنقه.هذا التوتر الخصب بين الفقدان والامتنان هو ما يصنع الأدب العظيم.

 لا تختاري بينهما،بل كوني الجسر الذي يمتد بين الضفتين.فالإمارات لم تمنحك الأمان فقط،بل منحتك منصة تُسمعين منها للعالم أن فلسطين ليست مجرد قضية،بل هي عطر لا يزول،وهي دم يجري في شرايين كل عربي أصيل.وإذا كانت حرب الكلمات قد اشتعلت على كل الجبهات،فأنتِ اليوم مدعوة لأن تكوني فارسة هذه الحرب،لا بغضب يحرق،بل بجمال يخترق،لأن أجمل ما قيل في الدنيا كان دفاعا عن الحق،وكان من وحي المحبة لا من وحي الكراهية.

استنشقي عطر فلسطين في كل صباح،اجعليه يملأ رئتيك قبل أن تتفوهي بأي حرف،فمن يكتب من أجل أرضه لا يمكن أن يخون،ومن يستنشق تراب وطنه في غربته يبقى حرا وإن قيدته الظروف.انتصري بملء القلب والعقل والدم، فالانتصار الحقيقي ليس أن تسقط الطائرات،بل أن تبقى القضية حية في الوجدان،وأن تظل الكلمة نابضة بالحياة،وأن تظل أنتِ وكل شاعر عربي شاهدا على هذه الأمة التي،وإن تفرقت بها السبل، تبقى أمة واحدة حين يُذكر إسم فلسطين.

أنتِ يا صاحبة الحرف..لستِ وحدكِ.ففيكِ تتجلى أمة،وفيكِ تعبر فلسطين،وفيكِ تزهر الإمارات. امضي بثبات،فمن تحمل رسالة لا تسقط،ومن تمسك بجذور الأرض لا تضيع،ومن آمنت بأن الكلمة أقوى من كل شيء،كانت هي النصر نفسه قبل أن يُكتب.


محمد المحسن



تأملات في أنسنة النص وجماليات السرد الشعري عند جلال باباي-قصيدته "تكتبني القصيدة" نموذجا- بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

تأملات في أنسنة النص وجماليات السرد الشعري عند جلال باباي-قصيدته "تكتبني القصيدة" نموذجا-

تكتبني القصيدة


أتمنَّى لدثارها َ أنْ ينزلقَ

 بين كفٌِ اليد وخِصْري النائم

هي قصيدتي تلازمنيِ موسما خامسا

 تكتبني كل يوم الف مرٌة 

قبل أن يتصلٌب فمي

سانصب ِللْخَوَنة شراكا 

بيني وبين دمعتي المحترقة  

سأعيدُ سلالات النوٌار الدمشقي 

قبل أن تدنٌسها أقدام الجهلة..!!  

ادلو بفرحي المنتظر

صوب المدينة التائهة 

وليغدُ وجهي

 وشما أبدياً في النوافذ

سوف تكتبني لا محاله 

قصيدتي الوديعة

ذكرى ميلاد جديدة.


جلال باباي


ليس كل من يمسك القلم يكتب،وليس كل من يكتب يُكتب.لكن الشاعر التونسي القدير جلال باباي،منذ أولى تجلياته الشعرية،دخل تلك المنطقة الحدودية حيث يختلط الفعل بالانفعال،وحيث لا يكون الشاعر هو من يسيطر على النص،بل النص هو من يختار سيده.ولطالما أحسستُ،وأنا أتتبع منجزه الإبداعي،أن ثمّة مسافة مختلفة تفصل حرفه عن سواه،مسافة لا تُقاس بالتقنيات البلاغية بقدر ما تُقاس بدرجة حضور الروح في اللغة.

وإن كنتُ قد حاولتُ،في مناسبات سابقة،الاقتراب من نصوصه بقراءات متواضعة،إلا أنني أمام نصه هذا (أو النص الذي اختارني هذه المرة) أقف في موقع مغاير.ليس لأن الشاعر تغير،بل لأن النص يفرض أسلوب قراءة جديدا،خصوصا في طريقة تشكيله للإحساس وكيفية بناء صوره الشعرية.إنه نص لا يُقرأ بقدر ما يُعاش.

في كل قصائد جلال باباي،ثمّة ما يشبه النبض الواحد الذي يجتاز الجسد النصي من شرايينه الأولى حتى آخر خفقاته.إنها الوحدة العضوية التي تحول القصيدة من مجرد سطور متجاورة إلى كائن حي،يتنفس الفكرة ويشعر بالعالم.وليست القصيدة عنده مجموعة تأملات مبعثرة،بل هي مشروع متكامل حيث تلتقي الرؤيا بالصنعة، وتتصافح اللحظة الوجدانية مع الرؤية الفكرية. هذا التماسك الداخلي هو ما يمنح نصوصه تلك القوة الناعمة التي تجعل القارئ لا يقرأ النص فحسب،بل يعيش في فضاءه،يتنفس هواءه، ويصطدم بجدرانه التي هي في الوقت نفسه آفاق مفتوحة.

للشاعر طقوسه في انتقاء المفردة،وكأنه لا يصطاد الكلمات من المعجم بقدر ما يستخرجها من أعماق تجربته.وليست المفردة عنده مجرد أداة تعبير،بل هي وحدة بناء إيحائية،تحمل في ثناياها أطيافا من المعاني تتراوح بين العذوبة والعمق.وكل كلمة يختارها هي بمثابة نافذة صغيرة تطل على فضاءات شاسعة من الدلالة،تجعل النص قابلا للتأويل دون أن يفقد صلابته في التعبير.إنه شاعر يعرف أن اللغة ليست سقفا للفكرة،بل هي أرضية تتحرك عليها الروح بحرية.

ولعل ما يمنح التجربة الشعرية عند جلال باباي تميزها الإضافي،في تقديري المتواضع،هو ذلك الجنس الشعري الذي يتقنه ببراعة: القصيدة السردية.لكن سرده ليس حكائيا بالمعنى التقليدي، بل هو سرد يتسامى ليصبح لوحة متحركة.يكتب الشاعر لوحاته بريشة رهيفة الألوان،طرية الخطوط،تجعل الصور الشعرية تتراقص فوق السطور وكأنها مشاهد سينمائية صوفية.والسرد عنده لا ينقل حدثا بقدر ما ينقل حالة،لا يروي حكاية بقدر ما يرسم أثر الحكاية في الروح.هذه اللوحات،رغم تنوع مواضيعها،تظل قريبة من القلب،لأنها مشبعة بلمسة إنسانية مباشرة،لا تتكلف الغموض،ولا تسقط في التقريرية.

-المجاز والأغنية: فرادة العتبة وجمال اللوحة:

دون أن يقصد الشاعر ذلك أحيانا،أو ربما بقصدية فائقة،يخط المجاز قويا في نصوصه.إنه مجاز لا ينشغل بنفسه،بل ينشغل بما يرسمه في دواخل المتلقي.يتشكل النص فوق البياض كأنه "أغنية مُثلى وموال" من مواويل الحياة،تنهض عاليا لترفرف بأجنحتها في سماء الأدب الواسعة.وما يميز هذه الأغنية هو فرادة المجاز الذي لا يكرّس نفسه،وفرادة العتبة الأولى التي تدخل القارئ إلى عالم النص بدهشة لا تنفك حتى بعد إغلاق الكتاب.ثم تأتي اللوحات التعبيرية في النص، جماليتها ليست زخرفية،بل بنائية،تحمل في داخلها رهفة المعنى الذي يتجه نحو القارئ بقوة، وبحب شديد لعالم الشعر،وبإحساس عال بجمال الإنسياب الشعري الذي لا يتكسر حتى عندما يصل إلى خاتمته المدهشة.

وهنا،تحديدا،نصل إلى نقطة التحول الكبرى في تجربة الأستاذ جلال باباي،التي يتجلى أثرها في نصه المدهش"تكتبني القصيدة".فالقصيدة عنده لم تعد مجرد كائن لغوي يخرج من الشاعر،بل تحولت إلى كيان وجودي يكتب الشاعر نفسه.إنها علاقة متبادلة،تكاد تكون صوفية،بين الذات المبدعة والنص المخلوق.عندما يقول: "تكتبني كل يوم ألف مرة / قبل أن يتصلب فمي"،فهو لا يمارس مجازا شعريا،بل يعلن حقيقة وجودية: أن الكتابة هي التي تصنع كينونته،وأن فمه لا يتصلب بالموت،بل يتصلب إذا توقفت القصيدة عن كتابته.وفي قوله: "سأعيدُ سلالات النوار الدمشقي / قبل أن تدنسها أقدام الجهلة"،يتحول الشاعر من كاتب إلى حارس للجمال،من شاعر إلى مقاوم.والنوار الدمشقي هنا ليس مجرد زهرة،بل هو رمز للجمال المهدد،للثقافة الموشكة على الانهيار تحت أقدام الغوغاء.إنه إعلان أن الشعر ليس ترفا،بل هو فعل إنقاذ للحياة من تفاهتها.

وعندما يقول: "وليغدُ وجهي / وشما أبديا في النوافذ"، فإنه يحول جسده إلى نص،وجسده إلى أثر.فالوشم في النوافذ يعني أن الرؤية ذاتها تصبح محفورة في ذاكرة المكان.إنه يريد ألا يُقرأ،بل أن يُرى،وأن يبقى مرئيا حتى عندما يغيب.

وفي الختام: "سوف تكتبني لا محالة / قصيدتي الوديعة / ذكرى ميلاد جديدة".هنا المفارقة العميقة:القصيدة الوديعة،التي تبدو هادئة ومطمئنة،هي التي تملك القوة الحقيقية،قوة الخلق المتجدد.

كل قصيدة تكتبه هي ولادة جديدة له،تجعله يعبر الموت الضيق إلى حياة أوسع.هذا هو سر نصوص جلال باباي:أنها لا تريد أن تقرأ فقط،بل تريد أن تعيد قراءة قارئها،وأن تخلقه من جديد كلما انفتحت على روحه.

ربما يكمن السر الأعمق في شعر جلال باباي في قدرته على جعل القارئ شريكا في هذه العملية الوجودية.فحين تنتهي من قراءة نصه،لا تشعر أنك استهلكت عملا أدبيا،بل تشعر أن شيئا في داخلك قد تغير،أن جزءا من روحك قد صيغ من جديد وفق إيقاع تلك القصيدة.إنها الكتابة التي لا تخاطبك،بل تعيد تركيبك.

وفي زمن تتسارع فيه القراءات السطحية،وتُستهلك فيه النصوص كما تُستهلك السلع،يأتي شعر جلال باباي لتذكيرنا بأن القراءة الحقيقية هي لقاء وجودي،وأن القصيدة الحقيقية هي تلك التي لا تنتهي عند آخر سطر،بل تبدأ هناك،في مساحة الصمت التي تلي القراءة،حيث تظل الكلمات تهمس في الروح طويلا،وتكتبنا مرارا،كما كتب الشاعر قصيدته،وكما كتبته القصيدة هو.

على سبيل الخاتمة :

يكمن السر الأعمق في شعر جلال باباي في هذه المعادلة الوجودية التي أقامها: لم يعد الشاعر هو من يكتب القصيدة،بل القصيدة هي من تكتبه،تنقشه في جسد اللغة كما يُنقش الوشم في النوافذ،وتعيد ولادته في كل مرة قبل أن يتصلب الفم.إنها شعرية تجعل من القراءة لقاء مقدسا،ومن النص كائنا حيا لا يستهلك،بل يُعيد تركيب روح قارئه.فإذا كان الشعراء يكتبون ليُقرأوا،فإن جلال باباي يكتب ليُعاش،تاركا في المتلقي ذلك الأثر الذي لا يزول: ذكرى ميلاد جديدة لا تكتمل إلا بحضوره.


محمد المحسن



الأحد، 22 مارس 2026

في اليوم العالمي للشعر: تأملات في جدلية الألم والأمل داخل الكتابة الشعرية بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 في اليوم العالمي للشعر: تأملات في جدلية الألم والأمل داخل الكتابة الشعرية

“الخير أيضا-مثل الشر -نزعة متأصلة في الإنسان..”


في زمنٍ تتدافع فيه الثقافات وتتشابكُ الرؤى، ويصبح فيه العالم قرية كونية تتقاذفها رياح العولمة وتحدّيات الهوية،يجد النصُ الشعريُ نفسَه أمام مسؤولية مضاعفة: أن يكونَ وفيا لخصوصية الذات من جهة،ومنفتحا على آفاق الإنسانيِّ الجامع من جهةٍ أخرى.فلم يعدْ الشعر اليوم مجرّد تعبير عن وجدان فردي،بل صار فضاء للتساؤل الوجوديِ والثقافيِ،وميداناً لاختبارِ قدرةِ اللغةِ على التوفيقِ بين الانتماءِ المحليِّ والرهانِ الإنسانيِّ المشترك. في هذا السياق،تتشكّلُ تموقعاتُ النصِّ الشعريِّ بوصفِها هندسةً جماليةً تعكسُ وعيَ الشاعرِ بتحوّلاتِ عصره، وتكشفُ عن إمكانيةِ أن تكونَ القصيدةُ جسراً بين الأنا والآخر،وبين الموروث والمتغيّر،دون أن تفقدَ نَبضَها الخاصَّ أو تنحرفَ عن غايتها في الارتقاءِ بالحسِّ والتخييل..

أن تتداعى الصور الشعرية في ذهن الشاعر،وتخترق سجوف خياله مفصحة عن الوجان وما يمور داخله من أحاسيس ومشاعر،فهذا يعني أن ما ستفرزه شاعريته،سيؤسس لوعي جديد تتأثث به عوالم النص وترتقي فيه اللغة إلى مرتبة الجمال والإبداع..

لكن..

الكتابة الشعرية في وجه من الوجوه هي ضرب من الشقاء والمعاناة تتراوح فيها الذات بين حالتين متنافرتين:قتامة وإنكسار/قوة وإنتصار..

ولو حاولنا استقراء الحالتين لتبيذن لنا أن للأولى دلالات تحيل على الذات المشروخة والمشظا،حيث تبدو الصور الشعرية متسربلة بالألم،راشحة بالمرارة،جانحة في أبعادها إلى الإغتراب وموغلة في سوداوية ورثناها عن ذاكرة مدانة تحطّ بنا كرها في مواقع مترهلة تكشف عن تشاؤم دفين..

أما الحالة الثانية،فهي تلك التي تتجاوز فيها اللغة تحقيق المصالحة بين الإنسان والفرح ليكونَ التألق في رحاب شعرية مشرقة ومضيئة تنحى صوبَ الجمال وتعانق الأفاق المستقبلية بكل أمل وثبات..

إننا إزاء حالتين متناظرتين تتنافر فيهما الصور وتتعارض..

أفلا يمكن إيجاد مصالحة بينهما تقوم على التناغم بين : ثنائية التوتر بين الذات والموضوع، وبين الكائن والممكن على نحو يقترب فيه النص الإبيداعي من الشمولية،دون أن يشذّ عن الحدود التي رسمناها،أو تلك التي أملاها الواقع..؟

وبسؤال مغاير أقول:

ألا يمكن أن تكون الكتابة الشعرية جامعة توحّد بين قطبين نائين: تداعيات الراهن..وتجليات المدى المنظور..فنكون بذلك قد أسسنا لوعي جديد يبدأ من الذات ويؤسس للكون في تواصل جمالي خلاّق..؟

ألسنا إزاء تغييرات في البنى الإجتماعية والثقافية بالنظر إلى ما تطرحه العولمة من تحديات في ظل احتدام الثقافات وتنافسها إلى حد يحيلنا على وضع تبدو فيه البكائيات والمراثي المألوفة واستهجان الواقع المترهل،من ضروب التقوقع والإنغلاق على الذات..؟

ألا تفرض علينا الثقافة الكونية نصوصا شعرية ذات شمولية فنية مفعَمة بدفء الكلمة ونبل السؤال وجمال الحيرة،تؤسس الذات وتساعد على استجلاء المضمون الأدبي والفني بتفاؤل خلاّق،لنواجهَ عبرها عالما ما فتئ يخيّب الآمال ويثير الفوضى في وجه الوجود..؟!

ألم تكن أشعارنا المحدثة في معظمها تنحو للغرابة والغموض،وما الغرابة إلا دلالة على الغربة عن العالم وانعطاف،يستحيل نوستالجيا-لا يخطو على درب الآتي الجليل،بل يترجرج إلى الماضي في حنين سئمناه..؟

إن هذه الأسئلة التي طرحناها لا نروم من خلالها التأسيس لواقع مغاير لمنطق الأشياء والكون،بقدر ما نهدف إلى صياغة هذا الواقع في نصوص إبداعية ترنو إلى أفق مغاير يتفتّح بإستمرار ويؤسّس دفقا موصولا ضمن تواصل موضوعي،يحقّق عبره المبدع شرط وجوده..

على سبيل الخاتمة:

-يرى البعض أن الطبيعة البشرية من أقوى أسباب الصراعات الإقليمية والعالمية،وأن تاريخ الأمم هو تاريخ حروبها،وأن من طبيعة الأمور-من ناحية-أن يهيمن الأقوى على الأضعف ويستغله لصالحه،ومن ناحية أخرى فإن الصراع حتى بين الإخوة مغروس في الجينات البشرية،فقصة مثل قصة الأخوين قابيل وهابيل Cain And Abel -حين لم يكن على الأرض غير أسرتهما-إنما ترمز لوجود جين العنف في الإنسان. ويرون أن الصراع سيبقى ما بقيت البشرية،فلا أمل في التخلص من الاستعلاء العنصري أو التعصب العقائدي،وهما دافعان يبرزان في مقدمة دوافع الصراعات الطائفية والإقليمية,وربما دول الشمال مع دول الجنوب،بل دول قارة مثل أوربا كما حدث في الحربين العالميتين في القرن الماضي،لكن من المعروف أيضا أنه كما يمكن إيقاظ الأحقاد إلى حد سفك الدماء بين الإخوة حيث تكون هناك تفرقة في المعاملة بينهم على نحو ما حدث في القصة الدينية: قصة يعقوب ويوسف وإخوته،وفي قصة قابيل وهابيل من قبل فإنه يمكن وأد هذه الأحقاد حين تكون المساواة أساس المعاملة.

 كذلك الأمر بين الشعوب،يمكن بآليات محددة إثارة الفتن بين مختلف طوائفها أو مع جيرانها (وهو ما حدث في التاريخ نتيجة مؤامرات داخلية أو خارجية) ويمكن تغليب ثقافة احترام الاختلاف،تغليب العوامل التي تجمع على تلك التي تفرّق بدءاً من التعليم والمنابر العقائدية حتى وسائل الإعلام والقنوات الفضائية.فالخير أيضاً-مثل الشر -نزعة متأصلة في الإنسان.


محمد المحسن


*للشعر أثر كبير في تعزيز إنسانيتنا المشتركة بجزمه أن جميع الأفراد - في كافة أرجاء العالم - يتشاطرون ذات التساؤلات والمشاعر.

كما أثبت الشعر الذي يعد حجر الأساس في الحفاظ على الهوية والتقاليد الثقافية الشفهية - على مر العصور - قدرته الفائقة على التواصل الأكثر عمقاً للثقافات المتنوعة.

وتحتفل اليونسكو سنويا باليوم العالمي للشعر.حيث اُعتمد في أثناء الدورة الثلاثين لليونسكو -التي عقدت في عام 1999 بباريس-مقررا بإعلان 21 آذار/مارس من كل عام يوما عالميا للشعر.

ولكن من المؤسف..

لا يزال يوجد اتجاه لدى وسائل الإعلام والجمهور العريض عموما يجنح إلى عدم أخذ الشاعر على محمل الجد، لذلك يصبح من المفيد التحرك للانعتاق من هذا الوضع لكي ينبذ هذا التصور ويأخذ الشعر مكانه الصحيح في المجتمع.

ومن هنا أعلنت اليونسكو-كما أشرنا-في مؤتمرها العام،من الدورة الثلاثين التي عقدت بباريس في عام 1999، إعلان يوم 21 آذار/مارس يوما عالميا للشعر.



في محراب الكلمة..حين تصلي الروح بوطن ينزف قراءة في قصيدة الشاعرة الفلسطينية المغتربة الأستاذة عزيزة بشير"صلاة الروح..في محراب الوطن والوجدان بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 في محراب الكلمة..حين تصلي الروح بوطن ينزف

قراءة في قصيدة الشاعرة الفلسطينية المغتربة الأستاذة عزيزة بشير"صلاة الروح..في محراب الوطن والوجدان"


تصدير :

ليست القصيدة عند مغترب إلا خيمة من نور يُقيمها في فضاءات الروح حين تضيق به الأرض، وبوحا يُنصت لوجع الذاكرة وهي تترنم بأسماء المسافات.هنا،في نص الشاعرة الفلسطينية الكبيرة الأستاذة عزيزة بشير،لا يكون العيد مناسبة عابرة، بل موعدا تتوضأ فيه الكلمات لتدخل محراب الوطن والوجدان،حاملة بين تضاعيفها صلاة لا تخلو من صرخة،ودعاء يفيض من جرح لا يلتئم. إنها كتابة لا تبتغي المجازَ الفارغ،بل تؤسس لشعرية المقاومة حيث يلتقي الوجدان بالعقيدة، والانتماء بالرسالة الإنسانية.


أليومُ آخِرُ صَوْمِنا فتَولّنا 

واحفظْنَا ربّي بالسّعادةِ  والهَنا


فَرِّحْ قلوبَنا يا إلٰهِي بنَصْرَةٍ

في يومِ عيدِكَ هَنِّنا وَتوَلّنا


إحفظْ بلادَالمسلمينَ مِنَ العِدا

وَاخْرِجْ (نتِنْ وَتْرَمْبَ) مِنْ هذي الدُّنا!


واحفظْ بلاداً تَحْتَضِنّا 

وَنَجِّها

إمَاراتِ مِنْ كلِّ اعتِداءٍ ربّنا !


عزيزة بشير


عندما تكتب شاعرة فلسطينية مغتربة،فإن القلم لا يسير على الورق،بل يحبو على جمر الذاكرة، ويرتشف من نبع الحنين الموجع.هي ليست مجرد كلمات تعبر عن مشاعر عابرة،بل هي شهادة ميلاد لحالة وجدانية مركبة،تتشابك فيها خيوط الإيمان بخيوط الانتماء،وتختلط فيها دموع الفرحة بلهيب القضية.

في قصيدة الشاعرة الفلسطينية الكبيرة الأستاذة عزيزة بشير،التي تخطها بمناسبة عيد الفطر المبارك،نقف أمام لوحة شعرية تتجاوز كونها تهنئة عابرة لتصبح صلاة حارة،وصرخة واعية،وتأملا عميقا في معاني العيد على أرض الواقع المتخم بالجراح.

القصيدة تبدأ بنداء روحي خالص،توجه فيه الشاعرة نفسها وقارئها إلى الله في ختام رحلة الصيام، "أليومُ آخِرُ صَوْمِنا فتَولّنا"،وكأنها تطلب من الله أن يكون العيد تتويجا لهذه العبادة بالستر والعناية.هذا المزج بين الفرح "بالسعادة والهنا" وبين الطلب "فَرِّحْ قلوبَنا" يكشف عن حاجة نفسية عميقة للشاعرة،ففرحة المغترب بالعيد ليست كاملة ما لم تمس جذور وجدانه الممتدة إلى وطنه الأول فلسطين،وما لم تشمل أبناء دينها وأمتها في كل مكان.

إن قوة هذه المقدمة تكمن في قدرتها على الانتقال السلس من الذاتي إلى الجمعي،ومن الروحي إلى السياسي.فهي تبدأ بمناجاة فردية خالصة،لتنفتح فجأة على العالم بأسره،داعية الله أن "يحفظ بلاد المسلمين من العدا".هذا الانتقال يرمز إلى أن وجدان الشاعرة ليس مغلقا على نفسه في غربته،بل هو نبض حي يتفاعل مع أحداث الأمة ومتاعبها.إنها تغترب بجسدها،لكن روحها تقيم في قلب المعركة،تقرأ الأخبار،وتتألم للجرح،وتتمنى النصر المبين.

ثم يأتي النداء الأكثر تحديدا وصراحة: "وَاخْرِجْ (نتِنْ وَتْرَمْبَ) مِنْ هذي الدُّنا!". هنا،تتحول القصيدة من الدعاء العام إلى موقف سياسي حاد.إن تسمية "نتنياهو وترامب" بهذه الصراحة ليس مجرد ذكر لأسماء،بل هو تعرية للرمز الشرير في نظرتها.إنه تحويل لشخصيات سياسية إلى رموز للظلم والعدوان،والمطالبة بإخراجهم من الدنيا هي مطاردة للشر في معاقله،ورغبة في تطهير الأرض من أسبابه.هذا الصدق الفني في التعبير،وهذه الجرأة في قول الحق،هو ما يميز شعر المقاومة الحقيقي،إنه لا يكتفي بالشكوى،بل يسمي الفاعل، ويطالب بالقصاص العادل.

وأخيرا،تختم الشاعرة مقطعها الشعري بلفتة إنسانية عميقة تعبر عن مكان وجودها.إنها تشكر الأرض التي احتضنتها،وتدعو لها بالأمان: "واحفظْ بلاداً تَحْتَضِنّا وَنَجِّها / إمَاراتِ مِنْ كلِّ اعتِداءٍ ربّنا!". هذه الإشارة إلى الإمارات العربية المتحدة ليست مجرد ذكر لوطن الإقامة،بل هي اعتراف بالجميل، وتأكيد على أن الإمارات كانت ومازالت ملاذا آمنا للمبدعين والمثقفين والعرب عامة،والفلسطينيين خاصة.إنها تعبر عن حالة المواطن الفلسطيني المنتشر في بقاع الأرض،الذي يحمل قضية وطنه في قلبه،ويحترم ويقدر البلدان التي تمد له يد العون والاحتضان.إنها رسالة حب ووفاء لأرض الكرامة والإنسانية.

-في وداع القصيدة..رحلة أمل من القلب إلى القدس


في ختام هذه الوقفة المتأملة مع قصيدة الأستاذة عزيزة بشير،نجد أنفسنا أمام نموذج فريد للشعر الفلسطيني المعاصر،الذي لا ينفصل عن هموم أمته ولا يتخلى عن فرحه بإيمانه.فالقصيدة،رغم قصرها النسبي،استطاعت أن ترسم خريطة متكاملة للمشاعر: بدءا من مناجاة الله في خلوة العبادة،مرورا بالدعاء للأهل والأمة،وصولا إلى الموقف السياسي الواضح،وانتهاء بشكر المحسن والوفاء للوطن المضيف.

إن ما يجعل هذه القصيدة عميقة ومؤثرة،هو قدرتها على جمع هذه الأقطاب المتباعدة في آنٍ واحد.إنها تذكرنا بأن العيد في وجدان الفلسطيني ليس مجرد زينة وملابس جديدة،بل هو لحظة تأمل في معاني الصبر والنصر،ولحظة استحضار للغائب الحاضر (الوطن المحتل)،ولحظة شكر للحاضر المعين (الإمارات الحبيبة).

الشاعرة عزيزة بشير،من خلال هذه الكلمات،تؤكد أن الاغتراب لم يضعف صوتها،بل زاده عمقا ورهافة.هي تغترب لتكتب للوطن بحرية أكبر، وتشتاق لتدعو له بإخلاص أعمق.هي تقف على أعتاب العيد،حاملة في إحدى يديها طقوس الفرح الديني،وفي الأخرى جراحات شعبها وأحلامه.إنها تذوب في الصلاة،وتنفعل بالقضية،وتفيض حبا لمن أحسن إليها.

وتبقى هذه القصيدة شاهدة على أن الشعر الفلسطيني قادر على التجدد،قادر على احتواء كل الأصوات،من صوت الرصاص إلى صوت الدعاء، ومن زنازين السجون إلى فضاءات المنافي الرحبة. هي صوت الضمير الحي،الذي يرفض أن ينام قرير العين ما دامت القدس تنزف،وما دام الاحتلال جاثما على صدر الأمة. 

حفظ الله الشاعرة الفذة الأستاذة عزيزة بشير، وحفظ الإمارات العربية المتحدة درعا للعروبة والإنسانية،ونصر الله فلسطين وأهلها،وأعاد أمجادها بعزة وكرامة.وكل عام والأمة الإسلامية والعربية بخير،وكل عام وفلسطين أقرب إلى الحرية.


محمد المحسن



الخميس، 19 مارس 2026

مظفر النواب..شاعر الاستلاب الأبدي ( ج1) بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 مظفر النواب..شاعر الاستلاب الأبدي ( ج1)

(الغريب يلتقي الغريب في دمشق..و"عروس السفائن" تبحر بنا إلى المجهول )


(حين يكون الغريب..مرآة للغريب)


"مساء المتاهات يا قلب

أثمل وراء المتاريس،دَخِّن

أُكتب على البندقية حُباً

وخُذ طلقتين لعينيك حُزني.."


مظفر النواب


في زمن كان يحكمه حفاة الضمير،حيث كانت الحقيقة تتقافز بين أصابعنا كالسراب،كنت أجوب الشرق الأوسط بحثا عن بصيص حقيقة يلملم جراح أمة تهشمت على صخور النكبات.وفي دمشق،تلك المدينة التي طالما احتضنت الغرباء، كان لقائي بالغريب الأكبر.

هناك،على أحد كراسي مقهى "هافانا" المتواضعة، جلست أمام شاعر نحيل،عيناه تحملان تعب المنافي،وصوته يشبه صرير السفن القديمة.كان مقهى الهافانا آنذاك،كما شهد رواده،ملتقى لكبار الشعراء والمثقفين الذين احتضنتهم دمشق.كان لقاء الغريب بالغريب،وكأن دمشق جمعتنا لنتبادل هموم التشرد والمنفى.

بعد تلك الأمسية الدمشقية الباردة،جبتُ مدنا عديدة في الشرق الأوسط،بحثا عن شاعر يشبه مظفر النواب..فلم أجده.كان فريدا كالنخيل، شامخا كالنهر،وحزيناً كالعراق.

لطالما شكل البحر في شعر مظفر النواب فضاء للخلاص والهروب من أسر الأرض التي ضاقت به وبأحلامه.وفي قصيدته الأشهر "عروس السفائن" ، التي نُشرت للمرة الأولى في عدد مجلة "الطليعة" الكويتية الصادر في السابع والعشرين من أفريل/ نيسان عام 1974،يبني الشاعر مملكته المائية هرباً من يابسة تلفظه:

"عروس السفائن! ألصقت ظهري الكسير على خشب الشمس فيك

حريصا على الصمت،مدمىً من الناس،في البر استنجد البحر.."

هذا المدخل الاستثنائي يختلف عن أغلب الشعراء الذين يبدأون قصائدهم بالتغني بالحبيبة.النواب يدخل من بوابة الأنين والتعب مما يجري حوله من أحداث،رغم أن مأساته الشخصية في ابتعاده القسري عن الوطن كانت كافية ليهزه ويبكيه.لكنه يختار البحر والسفينة أدوات للانطلاق،لغرض مصالحة نفسه مع ذاته،ولإبعاد القصيدة عن المباشرة،وجعل صورها أكثر حسية وأقرب إلى الرمز والإيحاء.

تتميز لغة مظفر النواب بقدرتها الفائقة على تجسيد المعاني المجردة في صور حسية مكثفة. إنه لا يكتب من خارج فلول الكتابة،بل هو مهندس على المادة الورقية،حيث يسور قصائده بقسوة التحدي والتمرد والمواجهة.الكم الكبير من الاستلاب المتماهي في قصائده يجعل القارئ يعيش ارهاصات وجدانية وتاريخية مجمعة في المادة الشعرية من صور وتشظ وانبناء وانسحاب.

لقد تمكن النواب من تجاوز الثنائيات المألوفة في الشعر السياسي،فلم يقع في فخ الشعارات المباشرة،ولم يغرق في الرمزية المبهمة.كانت لغته أشبه بسيف ذي حدين: حدّ يقطع مع الخطاب التقليدي،وحدّ يشق طريقا جديدا للتعبير عن هموم الأمة.إنه يصدر عن رؤية ورؤيا معا،وكلاهما ضرب من ضروب الامتداد الأنثروبولوجي لشاعر يحمل في جعبته تاريخا طويلا من المعاناة والنضال.

لقد شكل مظفر النواب ظاهرة فريدة في الشعر العربي المعاصر،ليس فقط بسبب جرأته السياسية، بل أيضا بسبب قدرته على تحويل المعاناة الشخصية إلى طاقة إبداعية هائلة.فمن سجون العراق إلى منافي الشتات،ظل النواب وفيا لصوته الداخلي،صوته الذي كان يراهن على قدرة الكلمة على التغيير.وقد أطلق عليه لقب "شاعر القصيدة المهربة" لأن قصائده كانت تنتقل سرا بين أيدي الناس،كأنها منشورات ثورية تلهب حماس الجماهير.

لكن المثير في تجربته أنه استطاع أن يحول السرية إلى علنية،والهامش إلى مركز،دون أن يفقد بريقه الشعري أو حدته النقدية.وكان يعرف أن القصيدة الحقيقية هي تلك التي تستطيع أن تخترق جدار الصمت والرقابة،ليس بالصخب،بل بالعمق والصدق الفني. 

وفي لقاءاتي معه بدمشق،كان يردد دائما أن الشعر ليس ترفا فكريا،بل هو ضرورة وجودية،وأن الشاعر الحقيقي هو من يدفع ثمن كلماته.

فجمالية الاستلاب في شعر مظفر النواب تتأصل في انغراس معطياتها وإفرازاتها في أعماق تاريخ المعارضة السياسية العربية الرافضة للاستبداد. لقد تسربل النواب بعباءة ظاهرها المبدع وباطنها الثائر المتمرد.فالاستلاب ليس في واجهة قصائده فحسب،بل في ذاته الفردية والجماعية،يعبر عنها من خلال فلسطين والعراق وليبيا واليمن..إنها حالة عشق،يدافع فيها الشاعر العاشق لقضايا الناس عن المفقود والمنشود،لأنه تواق لبلوغ إنسانية هذه الأمة الممزقة.

ولم يكن إعلان اسم مظفر النواب مرشحا لجائزة نوبل للآداب ثم فوز الكاتب البريطاني من أصل ياباني كازو إيشيغورو سوى مواصلة لحالة الاستلاب التي عاشها الشاعر.فمثل هذه الجوائز كثيرا ما تذهب لمن هم في دائرة الضوء الغربي، بينما يبقى مبدعون كبار مثل النواب في الظل، رغم أن تأثيرهم في وجدان الأمة أعمق وأكثر امتدادا.

ولو سنحت الفرصة بعيدا عن الموضوعية المطلوبة لقلت: مظفر النواب لا يمكن أن يحيا دون استلاب،لأنه ابن هذه الأمة بكل تناقضاتها وجراحها.استلاب الشاعر هو استلاب الأمة نفسها، التي تبحث عن خلاصها بين أحضان الماضي المجيد وآلام الحاضر الموجع.

في ختام هذا المقال،لا يسعني إلا أن أستذكر تلك الأمسية الدمشقية الباردة في مقهى"هافانا"،حين ألقى مظفر على مسامعي بعضا من قصائده بصوت خافت هادئ.كنت أظن-كما أشرت-أنني سألقى شاعرا يشبهه في رحلاتي التالية،في بيروت أو عمان أو القاهرة أو بغداد،لكنني لم أجده.كان وحيدا في عظمته،غريباحتى بين الغرباء.!

في ختام هذه الرحلة المتعبة خلف ظل شاعر استثنائي،أعود-ثانية-بذاكرتي إلى ذلك المساء الدمشقي البارد في مقهى "هافانا" المتواضع، حيث التقيت الغريب الأكبر.هناك،على ذلك الكرسي الخشبي الذي احتضن تعب المنافي، تعلمت أن الشعر ليس كلمات تقال،بل حياة تعاش، وموت مؤجل،وولادة متجددة في كل قصيدة.

كان مظفر النواب،كما رأيته وكما عشته في قصائده،أشبه ببحر هائج لا يعرف الحدود.بحر لا يهدأ،ولا يستكين،ولا يقبل بالعبودية.كان يعرف أن الشاعر الحقيقي هو من يدفع ثمن كلماته،وكان مستعدا لدفع هذا الثمن مرارا وتكرارا.لم يخفِ صوته خلف أقنعة،ولم يجمّل القبح،ولم يصمت أمام الاستبداد.كان يكتب كما يهطل المطر: غزيرا، عفويا،لا يطلب إذنا من أحد.

ما أدهشني في مظفر،وما أدهش كل من عرفه عن قرب،أنه استطاع أن يحول الاستلاب الذي عاشه إلى طاقة خلاقة.استلاب المنفى،واستلاب القهر، واستلاب الجوع والحنين،كلها تحولت في قصائده إلى صور مضيئة تخترق الوجدان العربي كالسهم. لم يكتب من أجل الجوائز،ولم يبحث عن الأضواء، بل كان يكتب لأنه لا يستطيع إلا أن يكتب.كان الشعر لديه ضرورة وجودية،مثل الهواء والماء.

ورحل مظفر في العشرين من ماي 2022،لكنه لم يرحل حقا.هو الآن هناك،في كل بيت شعري يردده عابر سبيل في بغداد أو بيروت أو دمشق.هو في زفرات العشاق،وفي صرخات الثوار،وفي همسات المنفيين الذين يحنون إلى وطن لا يريدهم.هو في البحر الذي طالما تغنى به،وفي السفينة التي كانت عروس أحلامه،وفي النخيل الشامخ الذي يشبهه في وحدته وصموده.

ويبقى السؤال الذي طرحناه في البداية: هل يمكن لأمة لا تقدر مبدعيها أن تنهض من كبوتها؟!

 ربما يكون الجواب في استمرار تداول قصائد مظفر النواب سرا وعلنا،وفي بقائه حيا في الذاكرة الشعبية رغم كل محاولات التهميش.

 ربما يكون الجواب في أن الأجيال الجديدة ستظل تعثر عليه،في زوايا المقهى،في صفحات الكتب القديمة،في تسجيلات صوتية بالية، وتكتشف أن هذا الشاعر الذي رحل جسدا لا يزال ينبض شعراً وحياة.

هكذا كان مظفر النواب..شاعرا ثائرا حتى النخاع، يحمل في صوته هموم أمة،وفي عينيه حنين وطن،وفي قصائده استشراف لم يأتِ بعد.

نم بسلام أيها الشاعر العظيم.نم كما ينام البحر بعد عاصفة،وكما تنام السفينة بعد رحلة طويلة.فأنت لست في قبر،أنت في كل موجة،وفي كل قصيدة، وفي كل قلب يعرف أن الحرية لا تقدر بثمن. ولروحك السلام..من البحر إلى البحر.


محمد المحسن



فراشات الكلام..وغبار الذاكرة بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 فراشات الكلام..وغبار الذاكرة

صباح الخير..تلك الكلمات التي نرميها كالنرد في وجوه بعضنا كل صباح،نظنها مجرد طقس عابر، لكنها في الحقيقة فراشات ملوّنة تحمل في أجنحتها الرقيقة أقدارا صغيرة.نطلقها فتطير، نراها ترفرف للحظات،ثم لا تلبث أن تصطدم بجدار الواقع فتموت.وما يتبقى منها ليس جثثا صغيرة،بل غبارا ناعما يترسب في الذاكرة،يعلق بتفاصيلنا العميقة،ويجعلنا نحنّ كلما هبّت رياح الذكرى.

العجيب في الكلمات الجميلة أنها تولد ميتة.تولد في لحظة صدق عابر،فتخيّل لنا أنها ستعمر طويلاً. نسمع "سأبقى معك"، "لن تتغير الحياة بيننا"، "أنت مختلف".فنفرح بها كأطفال يطاردون فراشات في حقل واسع.نظن أننا أمسكنا بالجمال ذاته،لكن أيدينا حين تنقبض لا تجد إلا غبار الأجنحة. تختفي الفراشة،ويبقى اللمعان على الأصابع يذكّرنا أنها كانت هنا،أنها مرّت،أنها وعدت ثم رحلت.

وهكذا تصبح الذاكرة مقبرة للوعود.كل كلمة جميلة قيلت لنا ذات صباح،كل عبارة حنون كتبت في رسالة،كل تغريدة حب مرت كالشهاب..تتحول مع الزمن إلى غبار ناعم يملأ تجاويف الروح.وعندما يأتي مساء الوحدة،نتنفس ذلك الغبار فنعطس شوقا،ندمع حنينا،نتألم لأن الفراشة التي أضأت يومنا طارت بعيدا،وتركتنا نحدق في زرقة السماء التي كانت.

لماذا نتعلق بهذا الغبار؟ لماذا نعود لاستنشاقه كلما اشتد بنا الحنين؟! لأن القلب أيها السادة لا يتعلم من العطب.القلب يرى الفراشة الجميلة في كل مرة،وينسى أنها ستموت.يسمع الكلمة الحلوة فيصدقها،وينسى أن الكلمات مثل الفراشات،تموت حين تصطدم بالواقع الجاف.القلب يتشبث بالوعود لأنه يؤمن أن بعض الكلمات يمكنها أن تعمر،أن بعض الفراشات يمكنها أن تتحول إلى أشجار دائمة الخضرة.وهذا الإيمان هو سر عذابه، وهو أيضا سر جماله.

نحن لا نُصاب بخيبة الأمل لأن الكلمات كُذِبَت علينا،بل لأننا حولناها إلى وعود.الكلمة الجميلة ليست وعدا،هي مجرد فراشة حطّت للحظة على كتفك لتخفف عنك ثقل العالم،هي لحظة صفاء عابرة،شعاع ضوء دخل من نافذة مفتوحة ثم رحل.والمشكلة تبدأ حين نصنع من هذا الشعاع قنديلا نريد أن يضيء لنا العمر كله.وحين نظن أن كلمة "صباح الخير" يمكنها أن تصنع صباحاً أبديا.

الغبار الذي يتراكم في الذاكرة ليس عبثيا.إنه مادة بناء هويتنا العاطفية.كل ذرة منه تحكي قصة فراشة مرت،كل ذرة تعلّمنا أن الجمال لا يُمسك، يُعاش.وأن الكلمات الجميلة ليست بيوتا نسكنها، بل هي زوار نكرمهم ثم نودعهم.أن الصباح الجميل ليس صباحا يدوم،بل هو صباح يكفي أن يذكرنا أن الحياة لا تزال قادرة على إنتاج الجمال رغم كل شيء.

لذا،عندما تقول لي صباح الخير غدا،سأعرف أنك تطلق فراشتك نحوي.سأتركها ترفرف قليلا، سأبتسم لجناحيها الملونين،سأستمتع بوجودها. لكنني لن أحاول الإمساك بها،لن أحوّلها إلى وعد، لن أعلقها في ذاكرتي كصورة ثابتة.سأدعها تطير عندما يحين وقت رحيلها،واكتفي بأن الغبار الناعم الذي ستتركه خلفها سيكون كافياً ليذكرني أن الحياة،رغم عطبها،كانت جميلة للحظة.

ربما ليس المطلوب منا أن نمسك الفراشات،بل أن نتعلم كيف نستمتع برفرفتها دون أن تتكسر أجنحتها في قبضاتنا.فبعض الكلمات الجميلة تولد لكي تمر،لا لكي تبقى.وكلما تشبث القلب بغبار الذاكرة،تذكّر أن ما يوجعه ليس رحيل الفراشات، بل إصراره على جعل العابر وطنا.


محمد المحسن



عين على نص " زهرة الغضب للشاعر كرار ناهي / العراق بقلم الأستاذة سعيدة بركاتي/ تونس

 عين على نص " زهرة الغضب للشاعر كرار ناهي / العراق

بقلم الأستاذة سعيدة بركاتي/ تونس 


القراءة : 


زَهْرَةُ الغَضَبِ


حين تقرأ العنوان " زهرة الغضب " و هو العتبة التي ستفتح لنا الباب للغوص في غمار النص .


لا تستطيع التمييز في نوع هذه الزهرة " لكن نحن على يقين أن هذا الانزياح يؤكد " عُمر او سن الزهرة " بين الطفولة و الشباب ، لتقترن بالغضب !!!؟؟ 

التساؤل كبير في عتبة النص : العنوان ؟؟؟


السَّماءُ امتلأتْ بطيورٍ من حديد!

الأرضُ من فرطِ سعادَتِها،

قبَّلتِ النجوم!

تحديد المكان و ما فيه : سماء امتلأت بطيور من حديد / لا يوجد فاعل ملأ السماء بهذه الطيور : استفهام جديد حول نوعية الطيور ؟ / فهي من حديد ؛ جعلت الأرض سعيدة فقبلت النجوم : مشهد فيه من التناغم بين الأرض و السماء و نجومها : مشهد فرح و كأنه احتفال في الفضاء الذي يفصل الأرض عن السماء وصل عنانها حد تقبيل النجوم .


لقد خرجَ الفجرُ من حنجرةِ الديكِ ذهبيًّا

يلمعُ،

كأنَّهُ سنابلُ قمحٍ.

صورة الديك فجرا : هو الآذان و ولادة جديدة شبهها الشاعر بذهب يلمع ، هذا المعدن لن يصيبه الصدأ مهما تعاقبت عليه الفصول اقترن بلون السنابل الذهبية : 

هذا الانزياح يجسد " ثقافة الهوية / تُشبه بها النفوس العظيمة والمليئة بالعطاء التي تنحني تواضعاً، عكس "الفارغات" (الفارغة من الحبوب) التي ترفع رؤوسها تكبراً ؛ أما الفجر كان ينتظر " احتفال السماء و الأرض و النجوم حتى يزداد نوره لمعانا " كالذهب" ، هذا المعدن الذي تجاوز قيمته المادية إلى دلالاته النفسية العميقة : السمو و النقاء و الصفاء ؛ ارتبط في النص بالشمس و الفجر : مما يوحي إلى القيم الإنسانية الثابتة .


الشمسُ صرختْ من الأعالي:

أنا خيولٌ من نار!

يعود الشاعر إلى السماء و صرختها : ثورة من نار على ظهر الخيول التي تقدح حوافرها نارا حين تتحرك بسرعة .


تجسَّدَ القمرُ أضرحةً من بكاءٍ على وجهِ الطفل.


انزياح جديد إلى الأعلى : القمر / أضرحة / حضور الطفل ، و علاقته بالعنوان : زهرة الغضب : يولد التساؤل و الحيرة في المتلقي !؟ علاقة القمر / اكتماله : يُسمى قمرا إلا إذا اكتمل ، اما بكاء الطفل يكون حين يفقد شيئا مهما في حياته / مفردة الطفل جاءت معرفة " ال" طفل / فهي تشمل كل طفل كانت على وجهه آثار البكاء . ( أطفال الكون و معاناتهم )


يا يد المسعى الأخير،  ساعدي فراشةَ الحقل وهي تنفضُ عن الوردِ رمادَ المعاركِ الخاسرة.

يا خيول اللذَّة،  اسبحي بالركضِ الدائم!

يا أبواب الغيب،  أبشري بالقادمين.

نداء قوي و مدوي بعد كل مشهد سبق هذا المقطع : طلب المساعدة للفراشة : عادة ما تقترن الفراشة بالزهرة  و الوردة / بالطفل و اليافع / 

نداء لخيول اللذة : ان لا تتوقف عن الركض : الحركة انتقلت من الركض إلى السباحة : اسبحي بالركض الدائم : نداء و أمر مع تعجب في آخر السطر : كأنه استعطاف عن طريق الأمر الناعم .

لينتهي إلى أبواب الغيب و بشراها بالقادمين : هنا تكتمل الصورة / و السطر أعتبره كمتلقية القلب النابض للقصيدة : أبواب الغيب ستُفتح مستبشرة " بشهداء سقطوا في معركة : فرحت لها السماء ، قبلت الأرض النجوم لأجلها و ولد فجر جديد مع آذان الديك .

تدرج التكرار الذي كان عنصرا بارزا شد انتباه المتلقي: نداء عادي تحول إلى انفعال ثم إلى صرخة ، صرخة الشمس و صرخة موجهة إلى أبواب الغيب : كلاهما إلى السماء : كالدعاء تماما يوجه إلى السماء ، لكن دعاء النص كان اخباري : 


لقد ماتتِ الآفةُ،

واستفاقَ الترابُ حيًّا من التماثيل،

واتَّضحَ الماء.

موت " الآفة انتصار " : عودة الحياة حين " اتضح الماء" فاستفاق التراب ، السؤال : هل هي استفاقة الإنسان فهو من طين و إلى التراب عودته؟  : يحيلنا إلى صورة السنابل و الشمس الذهبية . و وضوح الماء دليل على الرجوع إلى الحياة : حركة النص و انتعاشه

الشمس / النور/ التراب/ الماء : لنعتبر النور هواء / العناصر الأساسية التي تتكون منها الطبيعة: حين تجتمع هذه العناصرتُكوِن مقومات الحياة الأساسية.


من يستطيعُ دفنَ العاصفة؟


استحالة ان تُدفن العاصفة : لن يمتص غضب الطبيعة أحد : حين تثور و يشتد غضبها تأخذ معها كل شيء يعترضها ، حين " تُشبع" غضبها تهدأ لحالها . و العاصفة في النص حرب تدور رحاها بطيور من حديد.


هذا دم يخنقُ المآذنَ العربيةَ الفصيحة

هذا دم،

لا يُغسلُ إلا بدم

تكررت مفردة الدم ثلاث مرات ، و التكرار فيه اصرار ، يجلب انتباه المتلقي / المآذن دون غيرها : لا معابد و لا كنائس : إشارة إلى المسلمين ، نداؤهم التوحيد للإتحاد و التآزر ، لكن الدم خنق الحناجر ، وصل هو الآخر إلى آخره و قبر الدم هذه الأصوات : إشارة إلى العين بالعين و السن بالسن و البادئ أظلم /دم لا يغسل إلا بالدم .


الموتُ لوحشِ اليابسة،

الحياةُ لزهرةِ الغضب.

قفلة و كأنها آخر قرار : وحش اليابسة هو كل من تجرد من الإنسانية نصيبه الموت أما الحياة هي لزهرة الغضب .


أجمل ما في النص أنّه يبني جماليته على الإزاحة:


السَّماءُ امتلأتْ بطيورٍ من حديد! / فلا حديد طائر في السماء غير : الطائرة و الصواريخ و كل قذيفة كانت من نار  / الحالة و الوضع حرب /الأرضُ من فرطِ سعادَتِها، قبَّلتِ النجوم!/ الصواريخ انطلقت من الأرض حد النجوم / أصبحت هي النجوم التي تضيء السماء ؛ سماء العدو .

الفجر / السنابل / الشمس تصرخ / الخيول من نار : فرسان حارقة في سرعة عدو خيولها .

القمر أضرحة من بكاء/ و المشاهد تتوالى بسرعة كأنها مشاهد كُتبت بطريقة سيناريو ...


النص تسارعت و تكاثفت فيه المشاهد و الحالة آنية : حرب تدور رحاها في منطقة " اسلامية" و الدليل مفردة " المآذن" .


لم يخلو النص من التناص القرآني : السماء و الطيور كانها طيور أبابيل حجارتها من سجيل .

الفجر : قسم الإله : و الفجر و ليال عشر .

الشمس : و الشمس و ضحاها ... 

الخيل : و العاديات ضبحا ...

الشاعر نقل المشهد بكل دقة ، إلى أن  وصل إلى الحركة المكثفة في النص و التي كانت من الأرض إلى السماء ثم رجعت إلى الأرض لتعود إلى السماء : رنين جرس النص ايقاعه عنيف و  قوي و مدمر ( صوت الطائرات : طيور من حديد ). 


 النص دائري الشكل في حركته انطلاقا من العنوان و وصولا إلى قفلته ، أما الشاعر فهو نقطة الإرتكاز لنقل الأحداث بكل دقة .


يتضح جليا أن النص مستوحى من واقع وجودي انزاح في وصفه إلى الطبيعة : الانزياح إلى الطبيعة في السياق الأدبي والنقدي يدل على العدول عن اللغة المألوفة والتوجه نحو استخدام مفردات الطبيعة كرموز فنية جمالية، مما يعكس كثافة المشاعر، والرغبة في التجديد، والهروب من الواقع النمطي إلى فضاء أرحب وأكثر شاعرية، وهو ما يحقق خصوصية أسلوبية للنص، و هذا فعلا ما وجدته كمتلقية في نص كرار ناهي .

يبقى رأيي الشخصي كناقدة : نصوص كرار ناهي نصوص فلسفية وجودية ، صعب تسلق جدرانها و تفكيك شفراتها ، يكتب بإشارات و ومضات مبطنة المعاني ، يحول العناصر الطبيعية الجامدة إلى كائنات حية، كجزء من الانزياح الدلالي (الإستعارة) لخدمة المعنى.


بقلمي 📝 سعيدة بركاتي/تونس 


النص :


زَهْرَةُ الغَضَبِ


السَّماءُ امتلأتْ بطيورٍ من حديد!


الأرضُ من فرطِ سعادَتِها،


قبَّلتِ النجوم!


لقد خرجَ الفجرُ من حنجرةِ الديكِ ذهبيًّا


يلمعُ،


كأنَّهُ سنابلُ قمحٍ.


الشمسُ صرختْ من الأعالي:


أنا خيولٌ من نار!


تجسَّدَ القمرُ أضرحةً من بكاءٍ على وجهِ الطفل.


يا يد المسعى الأخير،  ساعدي فراشةَ الحقل وهي تنفضُ عن الوردِ رمادَ المعاركِ الخاسرة.


يا خيول اللذَّة،  اسبحي بالركضِ الدائم!


يا أبواب الغيب،  أبشري بالقادمين.


لقد ماتتِ الآفةُ،


واستفاقَ الترابُ حيًّا من التماثيل،


واتَّضحَ الماء.


من يستطيعُ دفنَ العاصفة؟


هذا دم يخنقُ المآذنَ العربيةَ الفصيحة


هذا دم،


لا يُغسلُ إلا بدم!


الموتُ لوحشِ اليابسة،


الحياةُ لزهرةِ الغضب.


كرار ناهي / العراق



الثلاثاء، 17 مارس 2026

بكيت..يوم بكى د-طيب تيزيني*..وغرق في نحيب شفيف..! بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 بكيت..يوم بكى د-طيب تيزيني*..وغرق في نحيب شفيف..!

-الثقافة لا تحيا خارج الحرية،ولا تتحول إلى حقوق للأفراد إلا حينما تتشكل دولة القانون.هذا ما ابتغاه طيب السيرة،طيب تيزيني..( الكاتب)


-يقول الكاتب السويدي،اليوناني الأصل،ثيودور كاليفاتيدس: "مأساة المهاجر أنه يحنُّ باستمرار إلى العدم.يحنُّ إلى أشخاصٍ قد تغيروا،وإلى أماكن قد تغيرت.ولكن مأساتنا،نحن السوريين،أقسى وأشد،فنحن نحنُّ إلى أماكن لم تعد موجودة،وإلى أشخاصٍ نبلاء باتوا في العالم الآخر."

عندما يبكي المفكر فذلك يعني أن المأساة قد بلغت الذروة..

 عندما يبكي من بيده الشعلة،ومن ينتظر الناس كلمته فذلك يعني أننا في حال من العجز والضياع تستحق الرثاء.

ماذا يعني أنْ يذرف قامة كالمفكّر العربي السّوري طيب تيزيني الدمع،وتنحبس الكلمات في حلْقه من قبْل أنْ ينبس ولو بحرف واحد؟

ذُهلتُ وأنا أراه يُخفي بكفّيْه وجْهه ُالغارق في العبرات،كأنّي أُشاهد لحظة تراجيدية بامتياز،لا شيء حاضر في تلك اللّحظة البارقة،سوى عبثية المشهد الذي نعيشه،بشاعته،ووحشيته،فاقت تصورات هذا المفكر المسافر عبر الغيوم الذي قد يختلف الكثير معه في زاوية نظره التي تعتمد الجدلية المادية الماركسية،في مساءلته واستنطاقه للتراث والتاريخ.

بالأمس البعيد،كنت أراه،يقول بوجه غائم: ما كتبته طيلة حياتي في حاجة إلى إعادة مراجعة،أمام ما نعيشه اليوم من هوْل الفاجعة: نعيش زمن المابعديات: ما بعد الحداثة،ما بعد الأخلاق،ما بعد الإنسان..

يغرقُ تيزيني في نحيب شفيف،وهو يصف المشهد المأساوي قائلا: هذا النظام العالمي الجديد،ابتلع الطبيعة والبشر،هضمهما،لإخراجهما سلعا.هكذا،كلما ارتفعت قيمة الأشياء،هبطت قيمة الإنسان: قيَمه وإنسانيته،مقابل هيمنة المال والسلاح مع تفكك وتفقير مرعب لما يسميه بالحامل الاجتماعي ويقصد الطبقة الوسطى.

يغرق-تيزيني-الإنسان مرّة أخرى،في بكائيات: تسارع الواقع وبشاعته ومشهديات الدم والعنف فاقت توقعاته،وأربكت كل المسلمات..!

كنت أتفحّصُه وأرقب كل تحركاته،مرة بقلب الشاعر ومرّة بعقل الدارس والمهتم بمشاريع التحديث العربي،كنت دائما على يقين، أننا شعوب مصدومة،تأخذنا الفجيعة على حين غرّة: حملة بونابرت على مصر كانت بمثابة الصّدمة التي حرّكت السواكن،منها انطلق السؤال:

لماذا تقدّم الغرب وتأخّرنا؟

ومنذ ذلك الوقت،ونحن نراوح مكاننا،ولا إجابة قاطعة،الصّدمات تلو الصدمات..!

ليس أكثرها قتامة،هذا التبشير بزمن وحشية الإنسان الذي نعيشه الآن..

كنتُ ذاهبا،وفي رأسي قرْقعة،كنتُ مصرّا لرمْيها في وجهه دفعة واحدة،يُجيبني،أنا المُطّلع على فكره،وفكر مرُوّه-1-،والجابري-2-، قارئ جيّد لروّاد الإصلاح: الطهطاوي،الكواكبي،خير الدين التونسي وغيرهم:

ماذا بعد؟ وأيّ وجاهة لطرح مسألة التراث اليوم والوقوف على تأويل النص الديني في واقع متسارع،يصنع تأويله الاجتهادي لحظة قطْعه للرؤوس..؟!

إلا أني تراجعت أمام ذهوله الذي فاق ذهولي من الواقع.

اقتربت منه وحدثته عن الشعر وشفافيته فأبتسم وجهه من وراء غيمة بكاء،سارعتُ لالتقاطها في صورة!

يا قلبي الحزينُ..خفّف من روْعكَ قليلا..!

بالأمس القريب (2019) ترجل أحد أهم مفكري سوريا والعالم العربي ليلحق بركب زملائه الذين جمعتهم دمشق يوماً،وفي لحظة هاربة من زمن منفلت من العقال،وغادروا الحياة تباعاً صادق جلال العظم وجورج طرابيشي..

لقد كان المفكر السوري الراحل د-طيب تيزيني أنموذجا للمثقف الطليعي،المشدود إلى القضايا العربية والوطنية،الثابت على المبادئ،القوّال للحق،يوظف كل ما أوتي من عمق فكري،وثقافة تاريخية،وتجربة ناضجة في الدفاع عن القضية الفلسطينية التي كان يؤمن إيمانا عميقا بعدالتها،كما آمن فيما بعد بثورات"الربيع العربي"وتعاطف معها،ورأى فيها بريق الأمل،مع التزامه بمساحة الواقعية وحدود التحرك في هذا المجال.

وهكذا،يرحل المفكرون ويبقى السؤال.يرحل طيب تيزيني،حاملا معه عبء بكائه على زمن التهم الإنسان،تاركا خلفه صحراء من الأسئلة لا تزيدنا إلا لهفة على جواب.لقد كان رحيله أشبه بإسدال الستار على مشهدية عبثية كبرى،حيث يموت من حملوا همّ النهضة،ويبقى من لا همّ لهم سوى البقاء.وفي هذا الصراع المرير بين حلم التغيير ووحشية الواقع،يظل السوريون،والعرب،يتامى. يتامى بفقدان مفكريهم،ويتامى بفقدان أوطانهم التي تذوب كالسراب كلما مدوا أيديهم إليها.

إن العبرة ليست في رحيل الجسد،بل في فراغ الساحة من أمثال هؤلاء الذين جعلوا من الفكر منارة في زمن العتمة.لقد غاب تيزيني،لكن بكاءه بقي صدى في وجداننا،يذكرنا بأن المثقف الحقيقي هو من يبكي على جراح أمته قبل أن يبكي على جرحه الخاص. 

رحل تاركا لنا وصيته الصامتة: أن نواصل السؤال، وأن نرفض نسيان المأساة،وأن نتمسك بالأمل رغم بشاعة المشهد.فكما أن الفجر لا يأتي إلا بعد ليل طويل،فإن النهضة لا يمكن أن تولد من رحم الصمت والاستسلام.

وحده الحنين يبقى حنيناً إلى أولئك الذين حملوا همومنا وأسئلتنا،وإلى زمن كانت فيه الكلمة قادرة على هزّ الجبال.وحدهم العظماء يرحلون بهدوء، لكن ضجيج أفكارهم لا يخفت أبدا.

 سلاما على طيب تيزيني،وعلى كل الذين رحلوا قبل أوانهم،وتركوا لنا هذا التراث الثقيل من الأسئلة،لعلنا في يوم ما نجد لها إجابة.

فرحمة الله على فارس الفكر العربي،وأحد القامات العلمية الباسقة،والهامات الأكاديمية العربية المنيفة،المتوج إلى الأبد بنياشين منجزه المعرفي.وإذا كان جسده قد أوسد التراب يوم 17 من شهر ماي 2019،فإن فكره سيظل يقظا،معبئا،وحاضرا في كافة دروب المعرفة.

وداعا أيها الطيب..طيب تيزيني.


محمد المحسن


هوامش:


*الدكتور طيب تيزيني (10 أوت/آب 1934 - 18 ماي/أيار 2019) هو مفكر سوري من مواليد مدينة حمص،من أنصار الفكر القومي الماركسي،يعتمد على الجدلية التاريخية في مشروعه.. يقول الكاتب المستنير شاكر فريد حسن إن تيزني حاول إعادة قراءة الفكر العربي وصياغته من جديد من خلال عملية منهجية، والمشروع الذي حلم به،رؤية جديدة للفكر العربي - من خلال بواكير حتى المرحلة المعاصرة لم يكتمل، ولم يتحقق كغيره من المشاريع الفكرية كمشروع محمد عابد الجابري، ود. حسين مروة، ومحمد اركون،وكمشاريع النهضة والتنوير العربية،التي أخفقت بل وأجهضت.

1-الدكتور حسين مروّة (1910 - 17 فيفري/شباط 1987) هو مفكر وفيلسوف وباحث،وعضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اللبناني سابقا قيادي شيوعي بارز في لبنان والعالم..

لقد كرست حياة الطيب تيزيني إنساناً فاعلاً ونشطاً محباً لبلده وأهله،خدم بإخلاص كأستاذ جامعي،واهتم كمفكر بمستقبل السوريين والعرب عبر البحث فيه،لكنه اهتم أكثر بواقع ما صار إليه السوريون في العقد الأخير من السنوات،ساعياً إلى وقف الدم، والوصول إلى حل سياسي،يخرج السوريين وبلدهم من الكارثة التي صاروا إليها.

تعرفت على الراحل كعاشق لكتبه التي كانت ولا تزال يشار إليها بالبنان

2-محمد عابد الجابري (27 ديسمبر/كانون الأول 1935 بفكيك، الجهة الشرقية -3 مايو/أيار 2010 في الدار البيضاء) مفكر وفيلسوف مغربي،له أكثر من 30 مؤلفا في قضايا الفكر المعاصر، أبرزها "نقد العقل العربي" الذي تمت ترجمته إلى عدة لغات أوروبية وشرقية، كرّمته اليونسكو لكونه "أحد أكبر المتخصصين في ابن رشد،إضافة إلى تميّزه بطريقة خاصة في الحوار.



مرفأ المنفى: في محراب الابتسامة والضياع قراءة في قصيدة الشاعر التونسي القدير طاهر مشي " حيث ثغرك الَمبتسم" بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 مرفأ المنفى: في محراب الابتسامة والضياع

قراءة في قصيدة الشاعر التونسي القدير طاهر مشي " حيث ثغرك الَمبتسم"


-أن نكون بكامل عطرنا،وبكل توقنا للصدق والجمال،وهما يعقدان قرانا بينهما هو الأبهى والأوفى..( الكاتب)


في زمن يبحث فيه الإنسان عن وطن يستقر فيه ظلّه،يأتي الشاعر التونسي القدير د-طاهر مشي ليقلب المعادلة رأسا على عقب،ويجعل من المنفى وطنا،ومن الوجع قصيدة.ففي هذا النص،لا نقرأ شعرا فقط،بل نشهد ولادة روح من رماد الذكرى. إنها قصيدة "حيث ثغرك المبتسم"،ذلك المتنفس المسحور الذي يتحول من جغرافيا الجسد إلى كون بأسره.

يدخلنا الشاعر التونسي الكبير طاهر مشي إلى معمعة الوجدان بدهشة الفيلسوف ورهبة العاشق. هنا،المرفأ ليس مكانا للأمان،بل هو منفى للأحلام؛ ذلك أن الأمان الحقيقي يكمن في روح المحبوب، لا في أي مكان آخر.والشاعر لا يكتب عن امرأة،بل يكتب عن "ابتسامة" استوطنت الكون فغيّرت مساراته.إنه يتأمل "تقاسيم" هذه الابتسامة كما يتأمل الصوفي وجه الحقيقة،فيتوه،لكنه تيه الخلاص لا الضياع.

هذا النص هو لوحة انطباعية رسمت بريشة من ضوء القمر ومداد من الموج.والشاعر يسافر بنا عبر "رقّة البوح" لنغوص معه مبتسمين،حتى وإن كان الغوص في بحر من الألم.إنه يتهادن مع الغيوم، ويعانق الكواكب،ويجتر ذكرى عابرة شتّتت "بعضه"، لأن اللقاء الحقيقي لا يجمعنا،بل يوزعنا في كل الاتجاهات كاشفا عن تعدد أرواحنا داخل الجسد الواحد.فمرحبا بكم في محراب هذه القصيدة حيث الجرح يتوشح بالقمر،والمنفى يحتضن كل الابتسامات.


حيث ثغرك الَمبتسم


هذا المرفأ منفى 

لأحلامي

فكلما زارني طيفك

يغمرني السّكون

جميلة ابتسامتك !!!

أتوه في تقاسيمها

فتجرني المتاهات

ورِقّة البوح تسحبني 

لكي أغوص مبتسما

تهادنني الغيوم

أعانق بريق الكواكب والنجوم

وأجتر ذكرى

صافحتني ذات لقاء وشتتت بعضي

وذلك الشفق يتقلص الهوينا

يراود أشلائي المبعثرة

تهت طويلا

والمسافات تقصف نبضي

كأنني الآن ولدت

على همس المساء

وسحر الغروب

وزفرات أنفاسي المتقطعة

تغزو الحلم

قفر هو ذلك الليل

وأوجاعي تقاسمني بريق القمر

أراك 

والموج يجرفني إلى ما لا عودة

حيث المنفى 

حيث ثغرك الَمبتسم

طاهر مشي


بهذا الإيقاع الهادئ،كزفرات المساء المتقطعة، يختتم الشاعر رحلته الوجودية عائدا إلى نقطة البداية، إلى "حيث ثغرك المبتسم"،في دائرة شعرية محكمة تؤكد أن المعاناة الإنسانية قد تكون أبدية،لكنها تكتسب جماليتها من قدرتها على التحليق بنا إلى عوالم الكواكب والنجوم،حتى في لحظات الانكسار.والشاعر طاهر مشي،بقدرته الفائقة على تحويل الألم إلى صورة كونية، وبأسلوبه الذي يمزج الرقة بالعمق،يثبت مرة أخرى أنه شاعر يكتب بلغة الروح،يرسم بالكلمات لوحات تغازل الغروب وتهادن الغيوم،ليبقى صوته الشعري متميزا في سماء الإبداع التونسي والعربي.


وإذا كان المنفى في البدء مرفأً مُفْرغا من الأحلام، فإنه في النهاية يتحول إلى مرآة للروح تعكس وجه الغائب الحاضر،حيث الابتسامة لا تمنح الأمان بل تخلق المتاهة ذاتها،فتكون هي الخريطة والوجهة.هكذا يعلّمنا الشاعر التونسي الكبير طاهر مشي أن الضياع الحقيقي ليس في التيه بلا عنوان،بل في أن يكون عنوانك الوحيد هو ابتسامة لا تُدرك،تسكنك فلا تغادرك،وتغيب فلا تفارقك.وفي هذه الدائرة السحرية بين المنفى والابتسامة،يظل السؤال الشعري مفتوحا:

 هل نحن من نعيش الذكرى،أم أنها تعيش فينا وتصنع من أرواحنا مرفأ لا يرسو فيه غيرها؟

ختاما أشير إلى أني أتعامل مع نصوص المبدعين التونسيين والعرب بكل موضوعية وتجرد،غير مدفوع بروح المجاملة أو المحاباة،ذلك أن النص الجيد وحده من يمارس إكراهاته على قارئه، ويفرض عليه الاقتراب منه برؤية ثاقبة تتجاوز النقد الانطباعي نحو مقاربة نقدية رصينة تليق بجماليات النص وبنائه الفني.

وأرجو أن تستساغ ملاحظتي جيدا،ووضعها في سياقها الموضوعي..


محمد المحسن



الأحد، 15 مارس 2026

حين يصمت الأنبياء..وتبكي الجراح..! بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 حين يصمت الأنبياء..وتبكي الجراح..!

ليس أجمل من أن تقاوم وجعك بصبر الأنبياء، وأنت تعلم أنك لست نبيا،ولا وصيا،بل إنسان فقط...إنسان أرهقته الحياة،وأتعبه الطريق،

وأوحشته الوحدة.

في زحام الأيام،حين تدير ظهرك لتلك الوجوه التي كانت بالأمس تملأ المكان دفئا وحضورا، تكتشف أن الوحدة ليست فراغا حولك،بل هي امتلاء بالغياب.تمشي بين الناس وهم لا يرونك، تصرخ ولا أحد يسمع،تبكي ولا من يمسح دمعة... وتتساءل: متى صار قلبي غريبا بين كل هذه القلوب؟!

لكن العجيب في الأمر،أنك ما زلت تقف.تقف كالجبل،تقاوم كالأنبياء،تصبر كالأطهار.تحمل أوجاعك وكأنها وسام على صدرك،لا تشكو لخلق، ولا تبوح لإنسان..فقط تمضي.

وتمشي وحدك..لا صديق ولا رفيق غير الطريق.

وهذا الطريق الوفي،الذي لا يخذل سالكيه،صار صديقا يسمع وقع خطاك،ويرى دمعك حين تخفيه، ويعرف أنك تبكي بصمت،ذلك البكاء الذي لا يراه الناس،بكاء العزة لا المهانة،بكاء الكبرياء لا الانكسار.

فالبكاء يا صديقي ليس ضعفا أبدا..بل هو لحظة صدق نادرة،يضع فيها القلب سلاح صبره قليلا، ليخلع ثياب القوة الوهمية،ويعود أقوى مما كان. هي استراحة المحارب،لا هزيمته.

تالله..إن الدموع ليست قطرات ماء مالحة فقط، بل هي كلمات صامتة،رسائل من القلب لا تستطيع الشفاه نطقها.ومن الصعب حقا،بل من الموجع،أن تجد إنساناةيقرأ تلك الكلمات،يفك شيفرات الألم، ويفهم لغة العيون الباكية.!

إن أصعب أنواع الوحدة،ليست تلك التي تعيشها وحدك في غرفة موصدة،بل تلك التي تعيشها وسط جمع من الناس،يرونك ولا يرونك،يسمعون صوتك ولا يسمعون وجعك،يمشون معك ولا يشعرون بك.

وحين تكتفي بالطريق صديقا،تكون قد تعلمت أعمق دروس الحياة: أن بعض الرحلات لا تحتاج رفقة،بعض الأوجاع لا تشارك،وبعض الطرق لا تصلح إلا للمشاة المنفردين.

وحدك في عين العاصفة..والريح تعصف،والأمواج تتكسر،وأنت ثابت كالنبي الذي ابتلاه الله فصبر، وكالطود الذي ضربته الرياح فازداد صلابة.

وهذا يكفي..أن يكون الطريق رفيقا،والوجدان شاهدا،والله عونا.

يكفي أنك ما زلت تقف.!

وربما كان أجمل ما في هذه الرحلة أنك تتعلم فيها كيف تكون نبيا بلا رسالة،وكيف تكون بطلا بلا جمهور،وكيف تحب الحياة وأنت وحيد فيها.

وربما كان أعمق ما في هذا الصمت،أنك تبكي في النهاية..ليس لأنك ضعيف،بل لأنك كنت قويا طويلا،وحان الوقت لتفسح المجال للجراح كي تبكي نيابة عنك..!

تبكي لأن الصبر له حدود،والأنبياء كانوا يبكون، والأقوياء كانت لهم لحظات انكسار.

لكنك تبكي وحدك..فلا يد تمتد لتمسح دمعك،ولا صوت يهمس في أذنك "أنا هنا".

وتبكي..ويبقى السؤال المؤلم: هل سيأتي يوم يقرأ فيه أحدهم كلمات دموعي هذه،فيفهم لماذا كنت أبكي؟ أم ستبقى دموعي مثلها..كلمات صامتة،لا يقرؤها أحد؟

تبكي..ويبقى الطريق رفيقا صامتا،لا يعاتب ولا يخون.

تبكي..وتعلم أن البكاء ليس ضعفا،بل لحظة صدق..والصدق مؤلم يا صديقي..مؤلم جداً.

وربما كان أعظم وجع الأنبياء ليس في جلدهم بالسياط،ولا في رميهم بالحجارة،بل في تلك اللحظة التي ينظرون فيها حولهم فلا يرون سوى ظلالهم.حين يمد أحدهم يده ليسندها على كتف صديق،فلا يجد سوى الهواء.حين يبحث بعينيه عن بصيص تفهم في وجوه من أحب،فلا يرى إلا جدارا من الجحود والنكران.

ذاك هو الجلاد الحقيقي: أن تظل نبيا في صبرك، نبيا في عفوڪ،نبيا في حبك..وأن يعاملك الناس كأنك عابر عادي لا ذاكرة لهم معك ولا مستقبل.أن تبكي في صمت فتظن الدنيا أنك لا تشعر،والله يعلم أن دموع الأنبياء لا تُرى،بل تُحتسب.

وها أنا ذا..وحدي من جديد،أُقاوم وأصبر وأبكي بصمت،لا لأني أريد شيئا من هذه الدنيا،بل لأن الطريق ما زال طويلا،وما زال في العمر بقية لأحتمل ما تبقى من خذلان.وحين يسألونني كيف استطعت كل هذا الصبر،سأقول: لأن الأنبياء علّمونا أن الصبر ليس أن تنسى الألم،بل أن تبتسم والجرح ينزف،وتقول رغم كل شيء: الحمد لله.


محمد المحسن



الشاعرة الفلسطينية الكبيرة الأستاذة عزيزة بشير..صوت فلسطين الذي لا يخفت في زحام المنافي.. بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 الشاعرة الفلسطينية الكبيرة الأستاذة عزيزة بشير..صوت فلسطين الذي لا يخفت في زحام المنافي..

(عطر الأرض..في روح الكلمات)


-"رَبّاهُ هَذِهِ آخِرُ جُمْعَةٍ *** في رَمَضانَ فَتَوَلَّنا وَاجْعَلْ نَصْرَنا

عَلَى الأَعْداءِ وَمَآسِينَا *** فِي يَوْمِ عِيدِنَا!


رَبّاهُ نَرْجُو وَالرَّجاءُ شَديدُ *** وَالْقَلْبُ يَلْهَجُ، بِالدُّعا وَيُعيدُ.."

عزيزة بشير


-"لا عُمْر يكفي كي أَشُدّ نهايتي لبدايتي

أَخَذ الرُّعَاة حكايتي وتَوَغَّلُوا في العشب 

         فوق مفاتن الأنقاض

وانتصروا على النسيان بالأَبواق والسَّجَع المشاع

وأَورثوني بُحَّةَ الذكرى على حَجَر الوداع 

                  ولم يعودوا.."


محمود درويش


في زمن تكثر فيه كتابة الألم،وتتراكم فيه صور الخراب،تظل الكلمة الفلسطينية عصية على الانكسار،تخرج من تحت الأنقاض كزهرة لوز، وتحلق في فضاءات المنفى كطائر الفينيق.وضمن هذا المشهد الجمالي الإنساني،تطل علينا الشاعرة الفلسطينية المغتربة،الأستاذة عزيزة بشير،من "منفاها" في الإمارات،حاملة صوتا شعريا استثنائيا لا يشبه إلا نفسه.

إن قراءة قصائد الأستاذة عزيزة بشير ليست مجرد اطلاع على نصوص أدبية،بل هي وقوف على تخوم تجربة وجودية كبرى.إنها تلك المرأة التي اختارت أن تنحت من صخرة الغياب تمثالا للحضور،وأن تقطف من حقول الموت سنابل حياة. لقد استطاعت،بوعي فني ناضج وحساسية مرهفة،أن تحول القصيدة من فضاء للرثاء إلى ساحة للصمود والمقاومة.إنها لا تبكي المرأة الفلسطينية،بل تمجد قوتها الأسطورية،تلك القوة التي تجعل من الفقدان دافعا للعطاء،ومن الجرح وردة تتفتح كل صباح.

ما يميز تجربة الأستاذة عزيزة بشير هو قدرتها الفائقة على تحويل المعاناة اليومية إلى أيقونات شعرية كونية.إنها لا تكتب وثيقة موت،بل تؤسس "لوثيقة حياة" متجددة. 

في قصائدها،يتحول غبار المعركة وغبار الانفجار إلى "نور لا ينطفئ"،نور يشع من عيون الأطفال ومن أصابع النساء العجائن بالتراب والياسمين. هذا التحول الجذري في الرؤية هو جوهر شاعريتها المتفردة،فهي تنظر إلى ما وراء الألم، ترى النبض تحت الركام،وتسمع همس البذور في انتظار المطر.

والأهم من ذلك،أن قصائدها تشكل "وثيقة هوية" لفلسطين،ليس بمعنى التوثيق الرسمي الجاف،بل بمعنى الحفر في الذاكرة الجمعية،واستنطاق تفاصيل الأرض الصغيرة:حجرها،زيتونها،ريحانها، وشال جدتها المطرز بالحرير.هي بهذا تعيد تعريف الانتماء،ليس كشعار يرفع،بل كنبض يعيش في الأعماق،كلحظة سجود،وكلوعة عاشق،وكأمومة لا تعرف اليأس.هي-شاعرة المنفى-التي جعلت من الغربة جسرا للقاء،ومن البعد قربى،ومن الحنين وطنا موازيا لا يقل أصالة عن الوطن الحقيقي.

في النهاية،تبقى الأستاذة عزيزة بشير واحدة من أهم الشاعرات اللواتي كتبن فلسطين بلغة من نور. إنها تمثل نموذج للفنانة التي تتشبع بهموم وطنها، فلا تذوب فيها،بل تعلو بها إلى مستوى الرمز والأسطورة.تقرأ قصائدها فتشعر أنك لمست تراب القدس تحت قدميك،وأنك شممت عطر يافا في نسمة المساء،وأنك سمعت صوت أجراس كنائس القدس ونداءات مآذنها في آن معا.

وفي زمنٍ يُكتَب فيه الألم بحبرِ الدمع،وتُعلَّقُ فيه المدن على مشانق النسيان،تظلُ الكلمة الفلسطينيةُ وثيقة ميلاد لا تُختم إلا بالشهداء.والأستاذة عزيزة بشير،من منفاها البعيد القريب،لم تكتب قصيدة عن فلسطين،بل كانت فلسطين هي التي كتبت نفسها على دفترِ روحها.وجعلت من الحرف خيمة لا تُنصب فوق الرمل،بل تُنصب في القلب،ومن اللغة وطنا لا تعترف خرائطُه بالحدود.وهي التي علَّمتنا أن المنفى ليس عنوانا للغياب،بل قد يكون رحم حضور آخر،وأن الغربة حين تُخصبها القصيدة تتحول إلى نخلة تمدُ جذورها تحت الأرض وفوقها،عابرة كلَّ الأسلاك الشائكة.فسلام على شاعرة كتبت فلسطين بحبرِ النور،وأعادت للكلمة هيبتها أمام الموت،وللحياة معناها تحت الركام.

وهنيئا لفلسطين بشاعرة تجيد صناعة النور من غبار الألم،وتبقى كلمتها شاهدة على أن الأرض لا تموت ما دامت النساء يلدن الشعر والحياة.

 شكرا للأستاذة عزيزة بشير،لأنها جعلت من منفاها محرابا للعشق الفلسطيني،ومن شعرها وثيقة أبدية للوجود والهوية.


محمد المحسن



قراءة نقدية: " القصيدة والمعادلة بين الوجداني والوجودي" (أنا أحب اذن أنا موجود). التفريغ النصي: " بدونك لا شيء , معك كل شيء" القصيدة :"عشق لا ينتهي" الشاعر التونسي: عبد الكريم الكوكي. الناقدة التونسية: جليلة المازني.

 قراءة نقدية: " القصيدة والمعادلة بين الوجداني والوجودي"

(أنا أحب اذن أنا موجود). 

التفريغ النصي: " بدونك لا شيء , معك كل شيء"

القصيدة :"عشق لا ينتهي"

الشاعر التونسي: عبد الكريم الكوكي.

الناقدة التونسية: جليلة المازني.


القراءة النقدية: " القصيدة والمعادلة بين الوجداني والوجودي"(أنا أحب اذن أنا موجود). 


1- في قراءة العنوان: "عشق لا ينتهي"


أسند الشاعر عبد الكريم الكوكي عنوانا لقصيدته قائما على جملة اسمية والجملة الاسمية من معانيها أنها تفيد حقيقة والحقيقة من المسلّمات التي نُسلّمُ بها .


والشاعر هنا يعتبر عشقه الذي لا ينتهي حقيقة لا نقاش فيها.


وأكثر من ذلك فإن الخبر ورد جملة في صيغة المضارع المرفوع المنفي(لا ينتهي).


والشاعر ينفي عن عشقه الانتهاء إيمانا منه بأن عشقه مستمر ودائم.


والشاعر ترك فجوة نصية (الثلاث نقاط (...)) في العنوان ليثير فضول القارئ متسائلا:


- أي عشق هذا العشق الذي لا ينتهي؟


- هل فعلا أن عشق الشاعر عشق أبدي ودائم؟


- كيف جسّد الشاعر هذه المعادلة بين هذا العشق واستمراريته؟


لعل القارئ يجد ضالته في غضون تحليل القصيدة:


2- التحليل: " القصيدة والمعادلة بين الوجداني والوجودي"(أنا أحب اذن أنا موجود)


استهل الشاعر قصيدته باطار زماني يتمثل في الليل بما فيه من ظلام ووحدة وظلم لروحه العاشقة (على ضفاف الليل حيث الظلام يخيم على كل شيء).


ولعل الشاعر في هذا الظلام وحشة ووحدة وظلما أراد أن ينتشل نفسه من هذه المعاناة الوجدانية الوجودية فتخيّر في متخيله رسم قلب والقلب هو رمز المشاعر والعواطف والاحساس.


لذلك جعل هذا القلب "يحمل حبا لا ينتهي ولا يخبو " انه حب أبدي دون أن ينطفئ .


وفي هذا الاطار قد يتدخل القارئ مرددا تساؤله السابق:


فيما يتجلى هذا العشق الذي لا ينتهي ولا يخبو:


أ- تجليات العشق الذي لا ينتهي ولا يخبو:


+ الهذيان باسم الحبيبة فيقول:


سهم يجمع حرف اسمي واسمك


يخترق شرايين قلبي ينبض بحبك


في كل لحظة أتنفس هواك


وأقول اسمك.


والهذيان عند الشعراء ليس حالة مَرَضية بل يُعدّ حسب علم النفس "حالة استثنائية من الوعي حيث يتحول اللامعقول الى قصيدة موزونة أو نثر شعري مُكثف يقع في المنطقة الوسطى بين الهلوسة والذكاء الابداعي".


ان هذا الهذيان يجعل الشاعر يلهج بحبه ويهذي باسم الحبيبة فهو بين همس القلب(يخترق شرايين قلبي ينبض بحبك) وجهر اللسان(وأقول اسمك).


وذكر اسم الحبيبة حسب المختصين دلالة على فرط العشق والتعلق بالحبيبة التي تسكن العقل والقلب وهو بمثابة "تعويذة" الحب ورمز لامتزاج روحين  واعلان عن عشق لا يزول"


انه حب بين قلب حافظ ولسان لافظ و بين همس القلب  وجهر اللسان وهو بذلك يتنفس هواها .


ان هذا الهذيان وفق الباحث"ر ينيه شار هو" وقود للشعر ..هو نوع من" هذيان المخيلة"


مما يسمح للشاعر بالتعبير عن الذات بوضوح".


هذا ما جعل الشاعر يحول الضغوطات الى موارد من وجهة نظر التنمية البشرية:


+ تحويل الضغوطات الى موارد تنتشله من معاناته:


يقول الشاعر:


في ظلام الليل أجد نفسي تائها في بحر عشقك


لا أجد شطآنا ولا مرفأ.


أنت النور في ظلامي, أنت الحب في قلبي


أنت الحياة في روحي , أنت الأمل في داعي


ان الشاعر يعيش غربة وتيها في وحدته وفي ظلام الليل ولا أحد يَنْتشله من هذا الضياع والتيه الا الحبيبة...إنها المنقذة من هذا الضلال والتيه :


- بالحبيبة يتحول الظلام الى نور


- بالحبيبة يغمر الحب قلبه.


- بالحبيبة تُبعث الحياة في روحه ويملؤه الأمل.


+ استخدام اللازمة الشعرية:


واللازمة في القصيدة هي من ناحية تناص داخلي وهي أيضا أسلوب انزياحي إيقاعي قائم على التكرار لغاية التأكيد على هذا العشق الذي يسكنه ويستبد بكل كيانه ويجعله لا ينتهي:


لقد استخدم الشاعر في القصيدة أكثر من لازمة واحدة ألزم بها تحركه في أرجاء القصيدة:


- "على ضفاف الليل رسمت قلبا


يحمل حبا لا ينتهي ولا يخبو"


استخدمها الشاعر عند الاستهلال و في متن القصيدة.


- "في كل ليلة أغمض عيني على حلمك


وأفتحها على صورتك"


-"في كل لحظة أتنفس هواك


وأقول اسمك" (رددها مرّتين).


- "أنت حبي أنت عشقي أنت حياتي" (رددها خمس مرات).


- "أحبك أعشقك أهواك" (رددها ثلاث مرات).


- بدونك لا شيء, معك كل شيء (رددها ثلاث مرات)


ان تعدد هذه الترديدات التي غطت أرجاء القصيدة مع اختلاف عدد كل ترديدة يشي بتوتر نفسي للشاعر الذي يعيش غربة المكان في وحدته وظلم الزمان في وحشة الليل.


وكأني بالشاعر وبتواتر هذه الترديدات التي يريد أن يقنع بها القارئ يشعر بعجز اللغة عن التعبير بدقة عما بداخله وهو في ذلك يعانق دوستوفسكي في قوله: "ان ما يبقى في أعماق النفس من أمور اكثر بكثير مما يظهر في الكلمات.. ما ظل تفكيرك في داخلك مهما يكن ضعيفا يظل أعمق منه حين تفصح عنه"


+ الجمع بين كل معاني الحب  باستخدام معجمية لدرجات الحب فيقول:


"أحبك أعشقك أهواك".


وبين الحب والعشق والهوى اختلاف في الدرجة:


يرى علم النفس حسب ما ورد بموقع "اسلام ويب" ان:


- الحب هو مشاعر مودة ,اعجاب, واستقرار عاطفي ونضج, وهو حالة نفسية مستقرة  تفرز هورمونات السعادة (مثل الدوبامين) بشكل متوازن بين العقل والعاطفة والثقة.


- العشق هو مرحلة متقدمة ومفرطة من الحب (تعلق شديد) يتجاوز العقل ويصل الى حدّ الشغف المهووس والغيرة الشديدة.


ولئن كان الحب يبني العلاقة فالعشق قد يغشى العين عن عيوب المحبوب ويضعف القدرة على التفكير المنطقي.


اما الهوى فهو أولى درجات الحب وهو ميل النفس ويتقاطع مع العشق في اقتران كل منهما بالشهوة.


وبالتالي فالشاعر يعيش حالات نفسية بين الاعتدال وبين الافراط في الحب والميل الى الشهوة.


ان هذه الحالة النفسية التي يعيشها الشاعر في مراتب الحب تجعله لا يرى أحدا إلا الحبيبة وأن البقاء هو لحبهما فيقول:


 في نهاية المطاف لا شيء يهم الا أنتِ


لا شيء يبقى إلا حبّنا.


إن الشاعر باستخدام اللام النافية للجنس (لا شيء) ينفي أي وجود غير وجود الحبيبة وينفي أي بقاء غير حبهما.


ان هذا العشق قد سلب الشاعر عقله فلا يرى الوجود بواقعية وبموضوعية.


ان ذاتيته جعلته يرى حبيبته محور الكون وان البقاء لحبهما متحديا في ذلك ان البقاء هو لله وحده لا شريك له.


وبالتالي فالحب لديه قضية وجدان ووجود:


ب - المعادلة بين الوجداني والوجودي: (أنا أحب اذن أنا موجود). 


هذه الحالة النفسية التي يعيشها الشاعر وهو يتأرجح فيها بين مراتب الحب جعلته يتوصّل  الى معادلة فيقول: " بدونك لا شيء , معك كل شيء"


الشاعر يعادل بين وجود الحبيبة وعدم وجود الحبيبة:


- وجود الحبيبة = حب / نور/ حياة/ أمل  ...


-عدم وجود الحبيبة = ظلام/ وحشة / وحدة/ ضلال...


وبالتالي فالشاعر يعادل بين :


- الحب (معك) = الوجود فوجوده رهين وجودها


- اللاحب (بدونك) = العدم (لا شيء)


انه يثير عبثية الوجود بدون حب وهو في ذلك يثير جدلية الوجداني والوجودي اذلا وجود بلا وجدان ولا وجدان بلا وجود.


ولعل الشاعر عبد الكريم الكوكي هنا يتقاطع مع الاديب والمفكر الروسي فيودور دوستويفكسي حين يقول:


" الحب ليس تَرَفًا عاطفيا ولا مجرد رفاهية تضاف الى قامة انجازاتنا بل هو الجوهر الذي يمنح كل شيء معناه.. الحب هو الذي يعيد ترتيب الفوضى من الداخل.. هو الذي يجعل التعب محتملا والخيبة أقل قسوة والوحدة أقل ظلاما.. القلب الذي يحب يعرف كيف يعيش"


وبالتالي فإن الشاعر الكوكي يعتبر الحب ضرورة حياة ومعادلة وجود .


وكأني به يعيد صياغة معادلة  رينيه ديكارت (أنا أفكر اذن أنا موجود) ليحوّلها الى معادلة:


"أنا أحب إذن أنا موجود".


سلم قلم الشاعر عبد الكريم الكوكي الذي قلب الموازين في قصيدته بعشقه الذي "لا ينتهي" لبعض المسلمات والحقائق فجعل الحبيبة هى محور الكون وان البقاء للحب فقط واكثر من ذلك قلب معادلة ديكارت التي تربط الوجود بالتفكير ليجعل الوجود مرتبطا بالحب..


بتاريخ :14/ 03/ 2026


عشق لا ينتهي...(الشاعر عبد الكريم الكوكي).


على ضفاف الليل حيث الظلام يخيم على كل شيء


رسمت قلبا يحمل حبًا لا ينتهي ولا يخبو


سهم يجمع حرف اسمي واسمك


يخترق شرايين قلبي، ينبض بحبك


في ظلام الليل أجد نفسي تائها في بحر عشقك


لا أجد شطآنا, لا أجد مرفأ


أنت النور في ظلامي أنت الحب في قلبي


أنت الحياة في روحي أنت الأمل في داعي


في كل ليلة أغمض عيني على حلمك


وأفتحها على صورتك


في كل لحظة أتنفس هواك


وأقول اسمك


على ضفاف الليل رسمت قلبا


يحمل حبًا لا ينتهي ولا يخبو


أنت قلبي أنت روحي أنت حياتي


بدونك، لا شيء, معك كل شيء


في كل صباح أفتح عيني على صورتك


 في كل ليل أغمض عيني على حلمك


 في كل لحظة، أتنفس هواك


 في كل دقيقة، أقول اسمك


أنت حبي أنت عشقي أنت حياتي


بدونك لا شيء, معك كل شيء


أحبك، أعشقك، أهواك


في نهاية المطاف لا شيء يهم إلا أنت


لا شيء يبقى إلا حبنا


أحبك أعشقك أهواك


أنت حبي أنت عشقي


 أنت حياتي


بدونك لا شيء معك كل شيء


أحبك أعشقك أهواك


في كل لحظة، أتنفس هواك


في كل دقيقة، أقول اسمك


أنت قلبي أنت روحي أنت حياتي


بدونك لا شيء معك، كل شيء


أحبك، أعشقك، أهواك


أنت حبي أنت عشقي أنت حياتي


بدونك  لا شيء. معك، كل شيء