قراءة نقدية: "العشق بين قلب حافظ ولسان لافظ"
الشاعر التونسي : عبد الكريم الكوكي
القصيدة :"حبيبتي"
الناقدة التونسية: جليلة المازني
القراءة النقدية: "العشق بين قلب حافظ ولسان لافظ"
استهل الشاعر قصيدته باستخدام أسلوب النداء مخاطبا حبيبته فيقول:
يا من أحبك القلب
يا أغلى الناس عندي
يبوح الشاعر لحبيبته بأن حبها يسكن قلبه فهي سكنُه وطمأنينته التي يجدها فيها.
وإن كان القلب هو رمز الحياة فالحبيبة هي حياته التي ينبض بها قلبه.
ثم يخاطبها باستخدام اسم التفضيل (يا أغلى) فهو يفضلها على كل الناس غلاوة وقيمة.
انه يحمّلها مسؤولية عشقه لها (تجعلينني أعشقك) هذا العشق الذي هو عشقان.
ولئن كان العشق هو أقصى درجات الحب فالحبيب يعشقها فوق العشق عشقين فيقول:
تجعلينني أعشقك
فوق العشق عشقين
فأنا من أحبك
من قلب ولسان.
لقد اختار الشاعر الحبيب عضوين من الجسم ليجسد بهما عشقه للحبيبة وهما القلب واللسان
ولئن كان القلب نبع المشاعر والعواطف والاحاسيس فان اللسان هو العضو المسؤول عن التعبير عن هذه المشاعر:
والحب من القلب واللسان حسب المختصين هو "الحب الحقيقي الذي يجمع بين إخلاص القلب ونطق اللسان فهو شعور عميق بالود يثبت في القلب ويفصح عنه اللسان بالكلمات الطيبة والغزل..":
- الحب في القلب(الصدق والاحساس):هو منبت الحب ومستقرّه , وينشأ من العاطفة الصادقة والتعلق الشديد(الشغف).
- الحب باللسان (القول والتعبير): هو ترجمة لما في القلب ويكون بكلمات الغزل العذبة والعبارات التي تُشعر الحبيبة بقيمتها .
وفي هذا السياق كيف عبّر الشاعر الحبيب عن مشاعره الساكنة بقلبه؟
استخدم الشاعر أسلوبا انزياحيا دلاليا قائما على التشبيه والاستعارة لتكون هذه الحبيبة نور عيونه والشمس التي تنير طريقه بل يعتبرها نعمته التي أنعم بها الله عليه.
ثم يُلخص كلمات الغزل بها لتصبح متماهية مع حياته (فهل تكفيك كلمة لا حياة بدونك).
وبالتالي فالحب لديه قضية وجود فوجوده رهين حبّه لها .
وكأني بالشاعر يعيد ترتيب المعادلة التي توصل اليها الفيلسوف ديكارت(أنا أفكر اذن أنا موجود) ليقول الشاعر عبد الكريم الكوكي : "أنا أحب اذن أنا موجود "(لا حياة بدونك).
وبالتالي لئن ربط ديكارت الوجود بالتفكير فان الشاعر قد ربط الوجود بالوجدان.
والشاعر هنا يتناص مع الشاعر الشابي في قوله:
عش بالشعور وللشعور فانما// دنياك كون عواطف وشعور
وفي هذا الاطار من العشق باللسان يقف اللسان عاجزا عن التعبير عن عشقه الكامن بالقلب لان العشق فاق اللغة فيقول:
ماذا أكتب لأعبر أكثر
فلم يعدْ لي من كلمات
أو حروف
تنطق بالحب الذي
اشعر به تجاهك
وبالتالي :
- هل ان المشاعر والأحاسيس أقوى من اللغة؟
- هل ان لغة القلب(المشاعر) تفوق لغة اللسان؟
- هل أن ما يحفظه القلب من مشاعر أقوى ممّا يلفظه اللسان من غزل؟
- هل ان القلب الحافظ للمشاعر أقوى من اللسان اللافظ لعبارات الحب؟
ان كل هذه التساؤلات قد اجاب عنها الشاعر بتفكيره بان عشقه لهذه الحبيبة هو عشق لامشروط وهنا يستخدم الشاعر تقنية المفارقات والثنائيات المتضادة ليصبح عشقه لها في كل الظروف : في الحضور والغياب / في الطيبة والكبرياء/ في الغرور والتواضع/ في القسوة والحنان..
بل يجعلها حبه اليتيم(وحدك أنت).
والشاعر ليدعم هذا العشق الآسر لقلبه استخدم مفردات العشق ما يقارب عشر مرات بالقصيدة ( أعشقك/ العشق عشقين/أعشقك وأعشق/ أعشقك وأعشق/ أعشقك وأعشق/ عشقي..)
ويختم الشاعر ليسطر عشقه لها بدمه وليجعلها ملاكا وسيدة قلبه.
ان الشاعر جعل حبيبته تجمع بين رقة الملاك وقدسيته وقوة السيدة الآسرة لقلبه.
ان الشاعر في هذا الاطار من خلال:
- عشق لا مشروط تماهت فيه كل الثنائيات.
- عشق جمع عشقين بالقلب وباللسان .
- عشق انتصر فيه القلب على اللسان
- عشق انتصرت فيه المشاعر على الكلام
- عشق تماهى فيه الوجداني مع الوجودي
وبالتالي فان كل هذه الملامح للعشق قد جعل الشاعر من عشقه عشقا استثنائيا وجعل من
حبيبته أسطورة.
سلم قلم الشاعر عبد الكريم الكوكي الذي جعل من العشق عشقين بالقلب واللسان وانتصر لعشق القلب الحافظ للمشاعر على اللسان اللافظ لهذه المشاعر حين منح الحبيبة سيادة قلبه وجعل من عشقه استثناء ومن حبيبته أسطورة.
بتاريخ 03 مارس 2026
القصيدة (الشاعر عبد الكريم الكوكي)
حبيبتي
يامن أحبك, قلبي
يا أغلى الناس عندي
تجعليني أعشقك,
فوق العشق عشقين
فأنا من أحبك,
من قلب ولسان
أنتي نور عيوني ونعمتي
أنتي الشمس التي
أنارة لي طريقي
فهل تكفيكي كلمة
لا حياة بدونك,
ماذا أكتب لأعبر أكثر
فلم يعد لدي من كلمات
أو حروف
تنطق بالحب الذي
أشعر به أتجاهك,
أﻋﺸﻘـــــــــــــــﻚ,
ﻭﺃﻋﺸﻖ ﺣﻀﻮﺭﻙ, ﻭﻏﻴﺎﺑﻚ,
ﺃﻋﺸﻘﻚ, ﻭﺃﻋﺸﻖ ﻃﻴﺒﺘﻚ,
ﻭﻛﺒﺮﻳﺎﺋﻚ, ﺃﻋﺸﻘﻚ,
ﻭﺃﻋﺸﻖ ﻏﺮﻭﺭﻙ,
ﻭﺗﻮﺍﺿﻌﻚ,
ﺃﻋﺸﻘﻚ, ﻭﺃﻋﺸﻖ
ﻗﺴﻮﺗﻚ, ﻭﺣﻨﺎﻧﻚ
ﻭﺣﺪﻙ أنتي
عشقي سوﻑ أﺳﻄﺮه ﺑﺪﻣﻲ
ﺃﺣﺒﻚ, يا ملاكي
يا سيدة قلبي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق