على هامش العيد العالمي للمرأة
عرّابات الصمود: المرأة الفلسطينية وسيمفونية الحياة على حافة الموت
ليس في القول مبالغة إن عدنا الثامن من مارس ذكرى نضالية عالمية،مناسبة لاستذكار مسيرة النساء الطويلة نحو العدالة والإنصاف.لكن هذه المناسبة،في كل عام،تطل علينا من خلف سحب الدخان الكثيف المتصاعد من فلسطين،حاملة معها أسئلة(وجودية) حول معنى الحياة ذاتها عندما تُحاصر بجدار من الحديد والنار.
تعيش النسوة الفلسطينيات تحت وطأة احتلال استيطاني لا يكتفي بمصادرة الأرض،بل يسعى لاقتلاع الروح.إنهن يواجهن جبهتين متلازمتين: الأولى جبهة الاحتلال بآلته العسكرية وقوانينه التمييزية،والثانية جبهة واقع اجتماعي وسياسي فلسطيني لا يزال يخبط في غياهب غياب تشريعات حمائية كافية،وفي بعض الأحيان، يكرس ذات البنى الذكورية التي تحول دون تحقيق العدالة الشاملة.لكن المفارقة العجيبة، تكمن في أن هذا الحصار المضاعف لم ينتج امرأة منهكة تستجدي الحياة،بل أنتج "ظاهرة" اسمها المرأة الفلسطينية.
إنها الصلابة التي استحالت أسطورة.ويخيّل للمرء أن نساء فلسطين استقين صلابتهن من صخر الجبال،ومن حكايا الزيتون الراسخ في التربة. فالاحتلال،بكل بشاعته،لم يكن سوى مطرقة صقلت هذا الفولاذ البشري.فعوض أن يلغي وجودهن،أضفى على شجاعتهن أبعادا ملحمية، فاقترنت البطولة بهنّ،ليس بوصفها فعلا عابرا أو تضحية فردية،بل بصفتها سيرورة حياة يومية. إنهن يصدمن السيرورة الإلغائية الصهيونية بأبسط الأفعال وأكثرها قدسية: الإصرار على البقاء،على الإنجاب،على التربية،على إفطار صائم تحت القصف،وعلى لملمة الجراح لبناء الغد.
وإذا كانت الأساطير القديمة قد نحتت أبطالها من خيال الشعراء،فإن النساء الفلسطينيات قد نحتن البطولة بلحمهن ودمائهن، فصرن مصدر إلهام للشعراء أنفسهم،وليس العكس.لقد تجاوزن التخييل إلى التطبيق،فأصبحن القدوة والمثال.
ولذلك،لا عجب أن تحتفي القصيدة العربية بهذا الكائن الاستثنائي.فهي الأم التي ترضع أطفالها حليب التحدي وتشحنهم بطاقة الحياة.ومن هذا المنطلق،تغنّى بها الشعراء وصولا إلى التصوير المذهل للشاعرة الفلسطينية المغتربة عزيزة بشير في قصيدتها التي جسدت فيها "المرأة الغزية" في عيدها،حيث صورت الانشطار الوجودي لهذه المرأة: جسدها يحمل الجراح وقلبها يحمل الدنيا. تقول في تصويرها المهيب الذي يختزل المعجزة:
هزّتْ سَريراً لِلوَليدِ يَمينُها
وَثَنَتْ بِكَوْنٍ لِلوَرى يُسراها!
في هذين البيتين تتجلى فلسفة الصمود برمتها. اليد اليمنى تهز مهد طفلها،تؤدي وظيفة الأمومة البيولوجية،بينما اليد اليسرى تبني عالما،تعيد ترتيب الكون،تخيط من بقايا الخيام وطنا،ومن ركام البيوت تاريخا.إنها تجسيد حي للازدواجية المقدسة بين العناية بالخاص وإدارة العام،بين تفاصيل البيت الصغير ومصير الأمة الكبير.
وهنا،يقف السؤال عاريا،حافيا،ينخر في شفيف الروح: ونحن هنا،نخطّ الكلمات ونصوغ العبارات، بينما هناك،في غزّة،امرأة "جاسرة" ترفض الاستسلام،تحوّل معاناتها اليومية إلى نقمة على المحتل لا تلين إلا بالشهادة أو النصر،ألا نخجل؟! أليست هذه الكلمات مجرد وميض خافت أمام بركان صمودها؟
قد يكون هذا صحيحا.قد تكون الحروف عاجزة. لكنها،مع ذلك،ليست عديمة الجدوى.هي توثيق للصوت الفلسطيني،وهي صرخة في وجه النسيان.
في خضم هذا المشهد الدرامي،تبرز صورة الشاعرة الفلسطينية الأستاذة عزيزة بشير نفسها كنموذج للمرأة الفلسطينية المكسورة في غربتها، المتأرجحة بين الحضور والغياب،وبين ذاكرة الوطن الموجع وحلم العودة.لكن ما يميز نبرتها، رغم ثقل الأثقال،أنها لم تتحول إلى نبرة رثاء أو يأس.إنها تظل نبرة تفاؤلية،تؤمن بغدٍ مشرق، وتخاطب ربها بثقة اليقين: "ربّي لِتسحَقْ بالفناءِ عدوَّها... لِتعودَ غزّةُ أهلُها...وهناها". إنها ليست حلما،بل هي إرادة الحياة المتجذرة في عمق التاريخ.
صبراً جميلا أيتها الشاعرة السامقة،وطمأنينة لكِ ولنساء فلسطين.ستبقى المرأة الفلسطينية شامخة شموخ الرواسي،تواجه العواصف بعزيمة لا تلين. ستقهر العدو المدجج بالكراهية والبارود،ليس بالسلاح ذاته،بل بإصرارها الأقوى على البقاء بين الأنقاض.ولا أحد غيرها يملك هذه الثقة العظيمة بالواحد القهار،ولا أحد غيرها يمتلك هذا الإيمان العميق بقدرة رجالها على إعادة إعمار ما خربه حفاة الضمير.
الأستاذة عزيزة بشير : شاعرة المنفى وصانعة الأمل
لقد استطاعت الأستاذة عزيزة بشير،الشاعرة الفلسطينية المغتربة،أن تحوّل غربتها إلى قوة دافعة للإبداع.هي شاعرة مكسورة بين وطَن تحلم به وآخر تعيش فيه،بين حضور الذاكرة وغياب الجسد،وبين نسيان العالم لقضيتها وتشبثها هي بجذور التاريخ الفلسطيني المليء بالمواجع.
لكن اللافت في تجربتها الشعرية،أنها رغم هذه الأثقال كلها،استطاعت أن تبقي نبرتها تفاؤلية، تؤسس لغدٍ مشرق "مُطرَّز بالنصر المبين". تقول في ختام قصيدتها: "ربّي لِتَسحَقْ بالفناءِ عدوَّها... لِتَعودَ غزّةُ أهلُها... وَهَناها". هذا ليس مجرد شعر، بل هو صلاة المؤمن بعدله،وإعلان ثقة بقدرة شعبها على الصمود وإعادة البناء.
إن شاعرتنا السامقة،أ-عزيزة بشير،تثبت أن الالتزام الشعري لا ينتقص من جمال القصيدة،بل يمنحها عمقا إنسانيا وقضية عادلة تناضل من أجلها.إنها تقدم نموذجا للشاعرة التي حملت هموم وطنها في حقائب سفرها،ورفضت أن تتحول غربتها إلى نسيان.بل جعلت من منفاها منصة لنصرة فلسطين،ومن قصيدتها سلاحا يفضح جرائم الاحتلال ويخلد بطولات نسائها ورجالها.هي بحق صوت فلسطين في المهجر،وصانعة الأمل من رحم المعاناة.
محمد المحسن
*تنويه : قد لا تفكّر-المرأة الغزية-إن بقيت على قيد البقاء في الإحتفال بيوم المرأة العالميّ..هذا اليوم المتصدّع من كثرة ازدواجيّته وخوائِهِ ولا معناه..!
كل التحية للمرأة في عيدها العالمي،وكل التحية للمرأة الفلسطينية المناضلة عبر هذه الإطلالة السريعة على قصيدة الأستاذة عزيزة بشير،رغم الكثير مما يجب أن يكتب عنها،مذكرين بالأسرى والأسيرات والحرية الواجبة لجميع المعتقلين والأسرى والأسيرات كاولوية لدى المقاومة الفلسطينية والعالم الحر.
بقي لي أن أعتز بدور المرأة الفلسطينية ونضالاتها وإنجازاتها ودورها البطولي في مسيرة الثورة والنضال الفلسطيني المتواصل من أجل الحرية والعودة وبناء الدولة المستقلة وعاصمتها القدس، وما قدمته من تضحيات وحققته من إنجازات وسطرته من بطولات نفتخر بها في زمن فقد فيه العالم الطريق إلى الحكمة.!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق