أنثى من غبار..امرأة من نور..
قراءة في قصيدة الشاعرة الفلسطينية المغتربة الأستاذة عزيزة بشير")
-أليس من العجيب أن تحتفل الدنيا بالمرأة في يومٍ تخصصه لها،بينما المرأة هناك،في فلسطين، تحتفل بالحياة كل يوم بمجرد أن تتنفس تحت الأنقاض..؟!( الكاتب)
في الثامن من آذار/ مارس،تتزين الدنيا تكريما للأم،والأخت،والابنة،والزوجة.لكن هناك امرأة لا تعرف التكريم إلا بصمودها،ولا تعرف الورد إلا شوكا ينبت من تحت الركام.إنها المرأة الفلسطينية،تلك التي تجسدت فيها كل نساء الأرض،فحملت همّ الوطن على كتفٍ،وهمّ العائلة على الأخرى،وفي قلبها تتسع كل جراحات الأرض.
في هذا اليوم،وبين نعيق المدافع الذي لا يهدأ، ونباح الرشاشات الذي يمزق صمت المخيمات، تبحث هذه المرأة عن ذاتها.ليست ذاتا مفقودة في متاهات الحياة،بل ذاتا تختزل معنى الوجود. تبحث عنها تحت الركام،حيث دفنت أحلامها مع أطفالها،وحيث تحفر بأظافرها شهادة ميلاد جديدة للكرامة الإنسانية.هي التي علمت العالم أن المرأة حين تسقط لا تموت،بل تتحول إلى قضية،وإلى رمح من نور في وجه الظلام.
ومن رحم هذه الغربة الكونية،ومن غربة المنفى التي هي أقسى من الموت،تأتينا الكلمات.كلمات لا تطلب مناسبة لتحتفل،بل تنبض بالحياة لتحتفي بالصامدين.ها هي ذي قصيدة الشاعرة الفلسطينية المغتربة،الأستاذة عزيزة بشير،التي حوّلت جدران الغربة إلى شرايين نابضة،لتسأل قبل أن تبدأ:
"أهناك أفضلُ من هذا اليوم للمرأةِ عامّةً وللفلسطينيّة خاصّة بظلِّ هذه الحُروب؟!"
ياربّ أفْرِجْها وَفُكَّ عسيرَها
وارْحَمْ شعوباً هَدّها كرْبُ …الحياةْ
إرْحَمْ شعوباً طورِدَتْ وتَشرّدَتْ
لا ألأرضَ أبْقَوْا ،لا البيوتَ …لَها بياتْ
صهيونُ بعبثُ بالبلادِ وأهلِها
حقُّ الإبادةِ جوّزوهُ لهُ…… . .الطُّغاةْ
ألـكُلُّ جاهَدَ كَيْ يَرُدَّ سليبَهُ
فالأقصَى غالٍ والحياةُ غدتْ ..مَواتْ
والأرضُ نهبٌ للعدُوِّ وآلِهِ
سرَقوا البلادَ وأوجَدوا فينَا …الشّتاتْ
أمريكَا معْهمْ سانِدٌ بِحُروبهم
نِتْنٌ مُفوَّضُ والسّلامُ غَدا…… ..فُتاتْ
يا ربِّ إرحَمْنا فنَحْنُ بِغُرْبةٍ
سَلِّمْ بِلاداً تحْتَضِنّا…… . .(الإمَاراتْ)!
عزيزةبشير
هكذا تكتب الأستاذة عزيزة بشير..لا بالحبر،بل بمداد الروح.تنحت على جدران الغربة قصيدة لا تشيخ،وتنقش على أبواب الاغتراب أسئلة لا تموت.
فهي التي غادرت الأرض لكنها لم تغادر الجرح، وحملت معها تراب فلسطين في جعبة الذاكرة لتروي به أشجار القصيد في أرض الإمارات الدافئة بالحضن والعطاء.شاعرة جعلت من منفاها محرابا للكتابة،ومن كلمتها سلاحا للمرأة التي تبحث عن نفسها تحت الركام.
وهي في كل حرف تكتبه،تؤكد أن المرأة الفلسطينية ليست وردة في يوم عابر،بل هي الأرض التي تثبت أن الحياة أقوى من الموت،وأن الغد سيكون لفلسطين،مهما تطاول الليل ومهما عاث الطغاة في الأرض فسادا.
الشاعرة الفلسطينية الأستاذة عزيزة بشير.إنها نموذج للمرأة التي حملت فلسطين في قلبها ووجدانها،فرسمتها حروفا من نور،تنطلق من قلب الإمارات العربية المتحدة،لتعانق بها فلسطين التاريخ، طوتواجه بها عبث الصهاينة وطغاة العالم.
نصوصها ليست مجرد كلمات،بل هي صرخة أمٍ فقدت فلذة كبدها،وزوجة تنتظر عودة أسير، وأخت تبحث عن أخ تحت الأنقاض.إنها تكتب لتقول للعالم إن المرأة الفلسطينية،وإن شرُدت واغتربت،تبقى شقيقة الرجال،وصانعة الأبطال، وحارسة الذاكرة.
وهكذا،تبقى الشاعرة عزيزة بشير،بهذا النص الذي يقطر وجعا وأملا،نموذجا للمرأة الفلسطينية المغتربة التي لا تغترب عن قضيتها.هي التي تكتب-كنا أسلفت-بمداد الروح على جدران الغربة،فتجعل من كل قصيدة وثيقة هوية،ومن كل بيت شعري حجرا يبنى عليه صرح العودة.
في يوم المرأة العالمي،نقول لكل امرأة فلسطينية: أنتِ لست وحدكِ،فصوتكِ يتردد في كل بقعة من بقاع الأرض،وفي كل قصيدة تكتبها شاعرة مثلكِ. أنتِ شعلة لا تنطفئ تحت الركام،وزهرة لا تذبل في وجه العواصف.دمتِ يا عزيزة عزيزة،وحارسة للكلمة،وشاهدة على زمنٍ آت لا محالة،تشرق فيه شمس الحرية من فوق مآذن القدس.
سلام على امرأة إذا ضاع الوطن.كانت هي الوطن.
وسلام على قلم عزيزة بشير الذي جعل من الغربة وطنا،ومن القصيدة وثيقة حياة.
محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق