رسالة إلى من يقاتل وحده
إلى صديقي الذي أمسى جريحا مرتين: الشاعر التونسي الكبير محمد الهادي الجزيري
أقرأ كلماتك فأرى رجلا يحمل جرحين: جرح الجسد الذي لا يلتئم،وجرح الروح الذي لا يندمل. عشرة أعوام وأنت تقاوم،وعشرة أعوام وهي تراقبك من الأعلى،تبتسم لك كما كانت تفعل حين كانت تمسك بيدك اليمنى العاصية وتقرأ معك قصائدك بصوتها الهادئ.
تقول إنك رضيت بقدرك.وهذه هي الهزيمة الوحيدة التي تليق بالمنتصرين.فالذي يرضى لا يستسلم،بل يعقد هدنة مع الألم كي يتفرغ للحياة.
وأما هي..فقد رحلت عن "العالم القذر" كما تقول. نعم،رحلت عن عالم لا يستحقها.ولكن هل فكرت أنها رحلت عنك فقط لتختبر قوتك؟ لتكتب قصائدك الآن بيدك اليسرى،ولتتلعثم في كلماتك أحيانًا،ثم تمضي قُدما رغم كل شيء؟
هي لم تخسر المعركة يا صديقي.هي انتصرت بالرحيل إلى حيث لا ألم،وتركتك هنا لتنتصر نيابة عنكما معا.
كل نفس ذائقة الموت،صدقت.ولكن بعض النفوس تذوق الموت مرتين: مرة بفراق الأحبة،ومرة بفراق الصحة.وأنت ذقت الموت مرتين-مثلي تماما- وعدت إلينا تقرأ شعرك بصوت متلعثم لكنه شجاع.
لا تطلب من يدك اليمنى أن تشفى.اطلب منها فقط أن تبقى معك لتشير إلى السماء كلما اشتقت إليها.
أتدري يا صديقي...
ربما كانت تلك الجلطة التي أصابت دماغك هي جلطة الحب الأخيرة.
ربما كان جسدك يعرف أنها ستغادر،فقرر أن يمرض ليبقى جزء منه معطوبا يذكرها كل يوم.
ربما يدك اليمنى لا تشفى لأنها كانت اليد التي تمسك يدها،وثقل النطق لديك ليس مرضا بل لأنك لا تزال تناديها.
لقد دفنتها بيدك اليمنى قبل عشر سنوات،ومنذ ذلك الحين ويدك تحاول أن تدفن الحزن،لكن الحزن أكبر من أن يُدفن بيد واحدة.
كل نفس ذائقة الموت يا صديقي..
ولكن بعض النفوس تذوق الموت كل صباح حين تفتح عينيها ولا تجد من كان يجعل الحياة تستحق العناء.
أخي محمد..حين يطول الليل والجرح
عشر سنوات..يا للهول..كيف تمر الأيام ثقيلة كالجبال،وخفة كأحلام الصباح؟ تقول إنك أتممت العشر سنوات على جلطتك الدماغية،وكأنك تتحدث عن ذكرى ميلاد حزين،أو عن رفيق درب غير متوقع.!
أخي الغالي..
أقرأ كلماتك فأرى فيها ما هو أعمق من مجرد سرد لحدث صحي.أرى فيها قصة حب كبرى،حكاية روحين توحدا في مواجهة الألم.لقد كانت شريكتك هناك،تقاوم المرض معك بكل شجاعة ونبل،وكأنها تقول للموت: "ليس اليوم،ليس الآن". ثم ترحل بعد أن أدت رسالتها،بعد أن علّمتك أن المعركة ليست مع الجسد فقط،بل مع اليأس أيضا.
أنت الآن تقف على أرض وعرة..يدك اليمنى تعاندك،وثقل في النطق يعترض طريق كلماتك. لكنك تقرأ قصائدك..تقرأها! ألا تدرك عظمة هذا؟! أن تظل الكلمات رغم كل شيء تخرج من قلبك إلى فمك،أن تظل قادرا على ترديد ما كتبته روحك..هذه ليست معجزة طبية فقط،بل هي انتصار الروح على قيود الجسد.
تقول: "هذا قدري وقد رضيت به".يا صديقي، الرضا ليس استسلاما،بل هو سلام مع القدر،وهو أصعب مراتب الإيمان.أن ترضى بما أصابك وأنت لا تزال تقاوم..هذا هو معدن الأبطال الحقيقيين.
وتقول عن العالم إنه قذر،إن القوي يغتصب الضعيف فيه..صدقت والله.ولعلك الآن ترى بعينين مختلفتين هذا العالم،بعد أن تذوقت مرارته وحلاوة الصبر عليه.
وأنا..نعم أنا
أنا مثلك يا صديقي،أحمل جسدي المعتل كما تحمل أنت جسدك.نختلف في التشخيص ونتفق في الألم،نتباين في الأعراض ونتوحد في الوجع. نحن الاثنان نقاسي أوجاعنا بصبر يذكرني بصبر الأنبياء.أيوب عليه السلام حين نُزع منه كل شيء إلا قلبه الذي ظل معلقا بالله،ويعقوب حين ابيضت عيناه من الحزن على يوسف فقال ""إلى الله وحده أُفَوِّضُ أمري،وإليه أرفع شكواي وغمي."
صبرنا ليس ضعفا-يا محمد-بل هو قوة من نوع خاص.إنه الإصرار على أن نستمر رغم كل شيء،أن نقرأ قصائدنا ونحن نعلم أن الكلمة قد تخرج متعثرة،لكنها تخرج من القلب فتصل إلى القلب.
فصبرا جميلا..
صبرا جميلا يا صديقي،ليس الصبر الذي يئن في الظلام،بل الصبر الذي يضيء شمعة في زنزانة الألم.صبرا جميلا وأنت تحمل جرحك العشر سنوات،وأنت تودع رفيقة دربك في غياب لا رجعة فيه،وأنت تصحو كل صباح لتجد يدك ما زالت تعاندك،وكلماتك ما زالت تبحث عن طريقها.
سنبقى هنا..سنبقى نقرأ قصائدنا بصوت قد يتلعثم،لكنه يظل شجاعا بما يكفي ليعلن أنه ما زال حيا،ما زال يقاوم،ما زال يحب.
عشر سنوات..وعشر سنين أُخَرى ستمر،ويدك اليمنى ستبقى تمتد في الفراغ كل ليلة بحثا عن يدها.لن تجدها.لكنها ستظل تمتد.ليس لأنك تنسى، بل لأن الحنين أقوى من النسيان،وأقوى من الشلل. كل نفس ذائقة الموت يا صديقي..أما أنت،فقد صرت تذوقه في كل نبضة.
رحم الله رفيقتك التي علمتك أن الحياة معركة، وأن الحب يمكن أن يكون درعا حتى في وجه الموت.وجزاك الله خيرا أن جعلت من ألمك قصيدة،ومن صبرك درسا لنا جميعا.
"إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب"
محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق