الثلاثاء، 10 مارس 2026

"بريء كظلي".. عودة الشاعر التونسي القدير عادل الهمّامي إلى جذور الإيقاع الشعري ونهج المقاومة بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 "بريء كظلي".. عودة الشاعر التونسي القدير عادل الهمّامي إلى جذور الإيقاع الشعري ونهج المقاومة

في زمن باتت فيه القصيدة العربية تميل إلى هشاشة البناء أحيانا،يأتي الشاعر التونسي عادل الهمّامي ليؤكد أن الجمال يمكن أن يظل أسير الوزن والقافية،دون أن يفقد رونقه أو قدرته على مسايرة التحولات.ففي عمله الشعري التاسع، الموسوم بـ "بريء كظلي"،يقدم الهمّامي نفسه بصورة مغايرة،أو ربما يعود بها إلى الصورة الأكثر أصالة في مسيرته الإبداعية.

صدرت المجموعة حديثا عن دار الفردوس للنشر والتوزيع في طبعة أنيقة من 128 صفحة،تزدان بحلة تشكيلية للفنانة مياري بن مبروك،بينما تكفلت الأستاذة عائدة الورغي بتقديمها،واضعةً القارئ على أعتاب رحلة شعرية وطنية وإنسانية بامتياز.

"بريء كظلي" ليس مجرد ديوان جديد،بل هو بمثابة بيان شعري يعيد الاعتبار للقصيدة الموزونة. فبعد تجارب امتزجت فيها قصيدة النثر مع التفعيلة،يفاجئ الشاعر التونسي القديرأ- عادل الهمّامي قراءه بمجموعة موزونة بالكامل،متنقلا بسلاسة بين أعرق البحور الشعرية العربية: من المتقارب إلى البسيط،ومن الرجز إلى الرمل، وصولا إلى المتدارك والخبب.هذا التنوع الإيقاعي يؤكد أن الشاعر يمتلك ناصية اللغة،ويعرف كيف يوظف الموسيقى الداخلية للقصيدة لخدمة المعنى،لا لمجرد الزخرفة اللفظية.

توزعت القصائد الـ 26 على أربعة أبواب رئيسية هي: "هنا تونس"، "ذنوب معتّقة"، "لي ولهن ولروح بختة"، و"خمريات".وفي كل باب منها،يطل الشاعر بوجه مختلف: فتارة نراه ابن تونس البار،وتارة أخرى نكتشفه إنسانا يتأمل ذنوبه الصغيرة وكبرياءه الجريح،وطورا هو العاشق المتصوف الذي يحاور الأرواح والذكريات،وأخيرا هو الشاعر الذي يتأمل الحياة بكأس الخمرة الصوفية،متتبعا سُكْرَ الوجود قبل سُكْرِ الخمر.

ولا يمكن الحديث عن تجربة عادل الهمّامي الشعريّة بمعزل عن دوره النضالي والثقافي البارز. فالرجل ليس مجرد ناظم للقصائد،بل هو صاحب موقف،ومناصر صلب للقضايا العربية العادلة،وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.لقد ظل الهمّامي على الدوام صوتا صادحا بالحق،يترجم هموم الأمة إلى قصائد ملتزمة،ترفض التطبيع،وتؤمن بأن المقاومة هي الطريق الوحيد لاسترداد الكرامة والأرض.

ولعل ترؤسه للملتقى العربي لشعر المقاومة لم يأت من فراغ،بل هو تتويج طبيعي لمسيرة حافلة بالعطاء في سبيل إبقاء جذوة الشعر المقاوم متقدة.هذا الملتقى،الذي يجمع شعراء الأمة على كلمة سواء،وجد في الهمّامي رئيسا وقائدا يدرك أن الكلمة هي سلاح الفارس في معركة الوعي، وأن الشعر يمكن أن يكون طوفانا يغرق سفن التطبيع والخذلان.

وفي تقديمها للديوان،تشير الأستاذة عائدة الورغي إلى أن نصوص الهمّامي "تنبض بالأمل والرؤى المتدفقة"،واصفة إياه بالشاعر الذي "تزداد قريحته تألقا يوما بعد يوم كنبات الحياة".لكن ما يميز "بريء كظلي" حقا هو قدرة الشاعر على المزج بين الهم الذاتي والهم الجمعي.فهو حين يكتب عن تونس،لا يكتب شعارات جوفاء،بل يرسمها بوجعها وأملها،وحين يتحدث عن الحب والمرأة،يفعل ذلك بذكاء العاشق الذي خبر الحياة،وحين يلتفت إلى القضايا العربية،يخلع عن صوته جلباب الخطابة، ليلبسه ثوب الإنسانية المتألمة.

"بريء كظلي" إذا هو محطة فارقة في مسيرة عادل الهمّامي،فهو عودة إلى الجذور،وانفتاح على المستقبل،وإعلان أن الشعر الحقيقي قادر على أن يكون جميلا وملتزما في آن واحد.إنه ديوان شاعر يرفض أن يكون مجرد ظل في زمن العتمة،ويصر على أن يظل بريئا كظله،نقيا ككلمته،وفيّا كموقفه.

ولنا عودة إلى هذا المنجز الشعري الخلاق،ريثما يختمر عشب الكلام.


محمد المحسن



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق