الأربعاء، 25 مارس 2026

تأملات في أنسنة النص وجماليات السرد الشعري عند جلال باباي-قصيدته "تكتبني القصيدة" نموذجا- بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

تأملات في أنسنة النص وجماليات السرد الشعري عند جلال باباي-قصيدته "تكتبني القصيدة" نموذجا-

تكتبني القصيدة


أتمنَّى لدثارها َ أنْ ينزلقَ

 بين كفٌِ اليد وخِصْري النائم

هي قصيدتي تلازمنيِ موسما خامسا

 تكتبني كل يوم الف مرٌة 

قبل أن يتصلٌب فمي

سانصب ِللْخَوَنة شراكا 

بيني وبين دمعتي المحترقة  

سأعيدُ سلالات النوٌار الدمشقي 

قبل أن تدنٌسها أقدام الجهلة..!!  

ادلو بفرحي المنتظر

صوب المدينة التائهة 

وليغدُ وجهي

 وشما أبدياً في النوافذ

سوف تكتبني لا محاله 

قصيدتي الوديعة

ذكرى ميلاد جديدة.


جلال باباي


ليس كل من يمسك القلم يكتب،وليس كل من يكتب يُكتب.لكن الشاعر التونسي القدير جلال باباي،منذ أولى تجلياته الشعرية،دخل تلك المنطقة الحدودية حيث يختلط الفعل بالانفعال،وحيث لا يكون الشاعر هو من يسيطر على النص،بل النص هو من يختار سيده.ولطالما أحسستُ،وأنا أتتبع منجزه الإبداعي،أن ثمّة مسافة مختلفة تفصل حرفه عن سواه،مسافة لا تُقاس بالتقنيات البلاغية بقدر ما تُقاس بدرجة حضور الروح في اللغة.

وإن كنتُ قد حاولتُ،في مناسبات سابقة،الاقتراب من نصوصه بقراءات متواضعة،إلا أنني أمام نصه هذا (أو النص الذي اختارني هذه المرة) أقف في موقع مغاير.ليس لأن الشاعر تغير،بل لأن النص يفرض أسلوب قراءة جديدا،خصوصا في طريقة تشكيله للإحساس وكيفية بناء صوره الشعرية.إنه نص لا يُقرأ بقدر ما يُعاش.

في كل قصائد جلال باباي،ثمّة ما يشبه النبض الواحد الذي يجتاز الجسد النصي من شرايينه الأولى حتى آخر خفقاته.إنها الوحدة العضوية التي تحول القصيدة من مجرد سطور متجاورة إلى كائن حي،يتنفس الفكرة ويشعر بالعالم.وليست القصيدة عنده مجموعة تأملات مبعثرة،بل هي مشروع متكامل حيث تلتقي الرؤيا بالصنعة، وتتصافح اللحظة الوجدانية مع الرؤية الفكرية. هذا التماسك الداخلي هو ما يمنح نصوصه تلك القوة الناعمة التي تجعل القارئ لا يقرأ النص فحسب،بل يعيش في فضاءه،يتنفس هواءه، ويصطدم بجدرانه التي هي في الوقت نفسه آفاق مفتوحة.

للشاعر طقوسه في انتقاء المفردة،وكأنه لا يصطاد الكلمات من المعجم بقدر ما يستخرجها من أعماق تجربته.وليست المفردة عنده مجرد أداة تعبير،بل هي وحدة بناء إيحائية،تحمل في ثناياها أطيافا من المعاني تتراوح بين العذوبة والعمق.وكل كلمة يختارها هي بمثابة نافذة صغيرة تطل على فضاءات شاسعة من الدلالة،تجعل النص قابلا للتأويل دون أن يفقد صلابته في التعبير.إنه شاعر يعرف أن اللغة ليست سقفا للفكرة،بل هي أرضية تتحرك عليها الروح بحرية.

ولعل ما يمنح التجربة الشعرية عند جلال باباي تميزها الإضافي،في تقديري المتواضع،هو ذلك الجنس الشعري الذي يتقنه ببراعة: القصيدة السردية.لكن سرده ليس حكائيا بالمعنى التقليدي، بل هو سرد يتسامى ليصبح لوحة متحركة.يكتب الشاعر لوحاته بريشة رهيفة الألوان،طرية الخطوط،تجعل الصور الشعرية تتراقص فوق السطور وكأنها مشاهد سينمائية صوفية.والسرد عنده لا ينقل حدثا بقدر ما ينقل حالة،لا يروي حكاية بقدر ما يرسم أثر الحكاية في الروح.هذه اللوحات،رغم تنوع مواضيعها،تظل قريبة من القلب،لأنها مشبعة بلمسة إنسانية مباشرة،لا تتكلف الغموض،ولا تسقط في التقريرية.

-المجاز والأغنية: فرادة العتبة وجمال اللوحة:

دون أن يقصد الشاعر ذلك أحيانا،أو ربما بقصدية فائقة،يخط المجاز قويا في نصوصه.إنه مجاز لا ينشغل بنفسه،بل ينشغل بما يرسمه في دواخل المتلقي.يتشكل النص فوق البياض كأنه "أغنية مُثلى وموال" من مواويل الحياة،تنهض عاليا لترفرف بأجنحتها في سماء الأدب الواسعة.وما يميز هذه الأغنية هو فرادة المجاز الذي لا يكرّس نفسه،وفرادة العتبة الأولى التي تدخل القارئ إلى عالم النص بدهشة لا تنفك حتى بعد إغلاق الكتاب.ثم تأتي اللوحات التعبيرية في النص، جماليتها ليست زخرفية،بل بنائية،تحمل في داخلها رهفة المعنى الذي يتجه نحو القارئ بقوة، وبحب شديد لعالم الشعر،وبإحساس عال بجمال الإنسياب الشعري الذي لا يتكسر حتى عندما يصل إلى خاتمته المدهشة.

وهنا،تحديدا،نصل إلى نقطة التحول الكبرى في تجربة الأستاذ جلال باباي،التي يتجلى أثرها في نصه المدهش"تكتبني القصيدة".فالقصيدة عنده لم تعد مجرد كائن لغوي يخرج من الشاعر،بل تحولت إلى كيان وجودي يكتب الشاعر نفسه.إنها علاقة متبادلة،تكاد تكون صوفية،بين الذات المبدعة والنص المخلوق.عندما يقول: "تكتبني كل يوم ألف مرة / قبل أن يتصلب فمي"،فهو لا يمارس مجازا شعريا،بل يعلن حقيقة وجودية: أن الكتابة هي التي تصنع كينونته،وأن فمه لا يتصلب بالموت،بل يتصلب إذا توقفت القصيدة عن كتابته.وفي قوله: "سأعيدُ سلالات النوار الدمشقي / قبل أن تدنسها أقدام الجهلة"،يتحول الشاعر من كاتب إلى حارس للجمال،من شاعر إلى مقاوم.والنوار الدمشقي هنا ليس مجرد زهرة،بل هو رمز للجمال المهدد،للثقافة الموشكة على الانهيار تحت أقدام الغوغاء.إنه إعلان أن الشعر ليس ترفا،بل هو فعل إنقاذ للحياة من تفاهتها.

وعندما يقول: "وليغدُ وجهي / وشما أبديا في النوافذ"، فإنه يحول جسده إلى نص،وجسده إلى أثر.فالوشم في النوافذ يعني أن الرؤية ذاتها تصبح محفورة في ذاكرة المكان.إنه يريد ألا يُقرأ،بل أن يُرى،وأن يبقى مرئيا حتى عندما يغيب.

وفي الختام: "سوف تكتبني لا محالة / قصيدتي الوديعة / ذكرى ميلاد جديدة".هنا المفارقة العميقة:القصيدة الوديعة،التي تبدو هادئة ومطمئنة،هي التي تملك القوة الحقيقية،قوة الخلق المتجدد.

كل قصيدة تكتبه هي ولادة جديدة له،تجعله يعبر الموت الضيق إلى حياة أوسع.هذا هو سر نصوص جلال باباي:أنها لا تريد أن تقرأ فقط،بل تريد أن تعيد قراءة قارئها،وأن تخلقه من جديد كلما انفتحت على روحه.

ربما يكمن السر الأعمق في شعر جلال باباي في قدرته على جعل القارئ شريكا في هذه العملية الوجودية.فحين تنتهي من قراءة نصه،لا تشعر أنك استهلكت عملا أدبيا،بل تشعر أن شيئا في داخلك قد تغير،أن جزءا من روحك قد صيغ من جديد وفق إيقاع تلك القصيدة.إنها الكتابة التي لا تخاطبك،بل تعيد تركيبك.

وفي زمن تتسارع فيه القراءات السطحية،وتُستهلك فيه النصوص كما تُستهلك السلع،يأتي شعر جلال باباي لتذكيرنا بأن القراءة الحقيقية هي لقاء وجودي،وأن القصيدة الحقيقية هي تلك التي لا تنتهي عند آخر سطر،بل تبدأ هناك،في مساحة الصمت التي تلي القراءة،حيث تظل الكلمات تهمس في الروح طويلا،وتكتبنا مرارا،كما كتب الشاعر قصيدته،وكما كتبته القصيدة هو.

على سبيل الخاتمة :

يكمن السر الأعمق في شعر جلال باباي في هذه المعادلة الوجودية التي أقامها: لم يعد الشاعر هو من يكتب القصيدة،بل القصيدة هي من تكتبه،تنقشه في جسد اللغة كما يُنقش الوشم في النوافذ،وتعيد ولادته في كل مرة قبل أن يتصلب الفم.إنها شعرية تجعل من القراءة لقاء مقدسا،ومن النص كائنا حيا لا يستهلك،بل يُعيد تركيب روح قارئه.فإذا كان الشعراء يكتبون ليُقرأوا،فإن جلال باباي يكتب ليُعاش،تاركا في المتلقي ذلك الأثر الذي لا يزول: ذكرى ميلاد جديدة لا تكتمل إلا بحضوره.


محمد المحسن



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق