الأحد، 15 مارس 2026

الشاعرة الفلسطينية الكبيرة الأستاذة عزيزة بشير..صوت فلسطين الذي لا يخفت في زحام المنافي.. بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 الشاعرة الفلسطينية الكبيرة الأستاذة عزيزة بشير..صوت فلسطين الذي لا يخفت في زحام المنافي..

(عطر الأرض..في روح الكلمات)


-"رَبّاهُ هَذِهِ آخِرُ جُمْعَةٍ *** في رَمَضانَ فَتَوَلَّنا وَاجْعَلْ نَصْرَنا

عَلَى الأَعْداءِ وَمَآسِينَا *** فِي يَوْمِ عِيدِنَا!


رَبّاهُ نَرْجُو وَالرَّجاءُ شَديدُ *** وَالْقَلْبُ يَلْهَجُ، بِالدُّعا وَيُعيدُ.."

عزيزة بشير


-"لا عُمْر يكفي كي أَشُدّ نهايتي لبدايتي

أَخَذ الرُّعَاة حكايتي وتَوَغَّلُوا في العشب 

         فوق مفاتن الأنقاض

وانتصروا على النسيان بالأَبواق والسَّجَع المشاع

وأَورثوني بُحَّةَ الذكرى على حَجَر الوداع 

                  ولم يعودوا.."


محمود درويش


في زمن تكثر فيه كتابة الألم،وتتراكم فيه صور الخراب،تظل الكلمة الفلسطينية عصية على الانكسار،تخرج من تحت الأنقاض كزهرة لوز، وتحلق في فضاءات المنفى كطائر الفينيق.وضمن هذا المشهد الجمالي الإنساني،تطل علينا الشاعرة الفلسطينية المغتربة،الأستاذة عزيزة بشير،من "منفاها" في الإمارات،حاملة صوتا شعريا استثنائيا لا يشبه إلا نفسه.

إن قراءة قصائد الأستاذة عزيزة بشير ليست مجرد اطلاع على نصوص أدبية،بل هي وقوف على تخوم تجربة وجودية كبرى.إنها تلك المرأة التي اختارت أن تنحت من صخرة الغياب تمثالا للحضور،وأن تقطف من حقول الموت سنابل حياة. لقد استطاعت،بوعي فني ناضج وحساسية مرهفة،أن تحول القصيدة من فضاء للرثاء إلى ساحة للصمود والمقاومة.إنها لا تبكي المرأة الفلسطينية،بل تمجد قوتها الأسطورية،تلك القوة التي تجعل من الفقدان دافعا للعطاء،ومن الجرح وردة تتفتح كل صباح.

ما يميز تجربة الأستاذة عزيزة بشير هو قدرتها الفائقة على تحويل المعاناة اليومية إلى أيقونات شعرية كونية.إنها لا تكتب وثيقة موت،بل تؤسس "لوثيقة حياة" متجددة. 

في قصائدها،يتحول غبار المعركة وغبار الانفجار إلى "نور لا ينطفئ"،نور يشع من عيون الأطفال ومن أصابع النساء العجائن بالتراب والياسمين. هذا التحول الجذري في الرؤية هو جوهر شاعريتها المتفردة،فهي تنظر إلى ما وراء الألم، ترى النبض تحت الركام،وتسمع همس البذور في انتظار المطر.

والأهم من ذلك،أن قصائدها تشكل "وثيقة هوية" لفلسطين،ليس بمعنى التوثيق الرسمي الجاف،بل بمعنى الحفر في الذاكرة الجمعية،واستنطاق تفاصيل الأرض الصغيرة:حجرها،زيتونها،ريحانها، وشال جدتها المطرز بالحرير.هي بهذا تعيد تعريف الانتماء،ليس كشعار يرفع،بل كنبض يعيش في الأعماق،كلحظة سجود،وكلوعة عاشق،وكأمومة لا تعرف اليأس.هي-شاعرة المنفى-التي جعلت من الغربة جسرا للقاء،ومن البعد قربى،ومن الحنين وطنا موازيا لا يقل أصالة عن الوطن الحقيقي.

في النهاية،تبقى الأستاذة عزيزة بشير واحدة من أهم الشاعرات اللواتي كتبن فلسطين بلغة من نور. إنها تمثل نموذج للفنانة التي تتشبع بهموم وطنها، فلا تذوب فيها،بل تعلو بها إلى مستوى الرمز والأسطورة.تقرأ قصائدها فتشعر أنك لمست تراب القدس تحت قدميك،وأنك شممت عطر يافا في نسمة المساء،وأنك سمعت صوت أجراس كنائس القدس ونداءات مآذنها في آن معا.

وفي زمنٍ يُكتَب فيه الألم بحبرِ الدمع،وتُعلَّقُ فيه المدن على مشانق النسيان،تظلُ الكلمة الفلسطينيةُ وثيقة ميلاد لا تُختم إلا بالشهداء.والأستاذة عزيزة بشير،من منفاها البعيد القريب،لم تكتب قصيدة عن فلسطين،بل كانت فلسطين هي التي كتبت نفسها على دفترِ روحها.وجعلت من الحرف خيمة لا تُنصب فوق الرمل،بل تُنصب في القلب،ومن اللغة وطنا لا تعترف خرائطُه بالحدود.وهي التي علَّمتنا أن المنفى ليس عنوانا للغياب،بل قد يكون رحم حضور آخر،وأن الغربة حين تُخصبها القصيدة تتحول إلى نخلة تمدُ جذورها تحت الأرض وفوقها،عابرة كلَّ الأسلاك الشائكة.فسلام على شاعرة كتبت فلسطين بحبرِ النور،وأعادت للكلمة هيبتها أمام الموت،وللحياة معناها تحت الركام.

وهنيئا لفلسطين بشاعرة تجيد صناعة النور من غبار الألم،وتبقى كلمتها شاهدة على أن الأرض لا تموت ما دامت النساء يلدن الشعر والحياة.

 شكرا للأستاذة عزيزة بشير،لأنها جعلت من منفاها محرابا للعشق الفلسطيني،ومن شعرها وثيقة أبدية للوجود والهوية.


محمد المحسن



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق