في ظلال النبوة..حين يصبح المدح استغاثة..
( قصيدة الشاعر التونسي الكبير طاهر مشي"في مدح خيْر البريّة صلى الله عليه وسلم"-نموذجا)
تصدير:
-يا من أسري به إلى الملأ الأعلى،وعرج بروحه إلى سدرة المنتهى..ها نحن نرهق في دروب الأرض ونحن نبحث عن بصيص نور من هديك.أغثنا فإن الدرب طال،والظل قل،والجرح الفلسطيني نزف حتى نخاع العظم..
حينما تخفت الأضواء في دروب الحياة،وتثقل الخطوب ظهور الضعفاء، ويضيق الفضاء الواسع بأهله، يبقى نور واحد لا ينطفئ، وشمسُ هدىً لا تغيب...إنه نور المصطفى محمد بن عبد الله صلىالله عليه وسلم،الذي أشرقت به الدنيا بعد ظلام،واهتدت به البشرية بعد ضلال، وتعلقت به القلوب بعد تيهٍ وفراق.
وفي زمن تكاثرت فيه الفتن،وتنوعت فيه المحن، وتاهت فيه البوصلة بين شعاراتٍ جوفاء ووعود كاذبة،يبقى الحبيب صلى الله عليه وسلم هو الملاذ الآمن،والميناء الذي ترسو فيه سفن الأرواح المتعبة.ذكراه ليست مجرد حكايات تُروى،أو قصائد تُنظم،بل هي نسمات حياة تهب على القلوب الميتة فتبعث فيها الأمل والرجاء.
هذه القصيدة التي بين أيدينا ليست مجرد كلمات نسجها شاعر وأبدع،بل هي صرخة روح تبحث عن ظلِّ الحبيب في لاهوت المعاناة،واستغاثة قلب آلمته جراح الأمة فراح يستجير بصاحب الشفاعة العظمى.إنها حوار شجيّ بين ماض مشرق بالنبوة وحاضرٍ موجع بالجراح،بين أمسٍ كان فيه المسلمون سادة الدنيا ويومٍ أضحوا فيه يتوزعهم العدو شرَ تمزيق.
والشاعر التونسي الكبير طاهر مشي هنا لم يمدح حبيب الله صلى الله عليه وسلم بلسانه فقط، بل بلسان أمة كاملة تئن تحت وطأة الظلم، وتنزف في ساحات القدس وفلسطين،وتتخبط في متاهات التفرق والضياع.لقد جعل من مدحه استغاثة،ومن ثنائه دعاء، ومن حبه للحبيب شفاعة يرجو بها خلاص الأمة من محنتها.
فهلم بنا أيها القراء الكرام نعيش مع هذه الكلمات النورانية التي تمزج بين عطر المدح النبوي وآلام الواقع المرير، لعل في ذلك بردا وسلاما على قلوبنا المتعبة...
في مَدْحِ خيْر البريّة صلى الله عليه وسلم
أيا خيرَ البريّةِ يا محمّدْ
فَذِكرُكَ نَستنيرُ بِهِ ونَسْعَدُ
أتيْتَ فَزالَ عن دُنيانَا غَمٌّ
ظلامٌ ،قدْ غَدا بالنّورِ، عَسْجَدْ
نَشَرْتَ النورَ في ليْلِ البَرايا
أضاءَ دُروبَنا وَهَدانَا أحمَدْ
وصُغتَ من المكارمِ نورَ هدْيٍ
بهِ خُلُقُ السماءِ بِنا يُمَجَّدَ
تضمُّ الضَّعفَ صدرًا من حنانٍ
كأنَّ الكونَ من عطفٍ،تَولَّدُ
عليكَ صلاةُ ربِّي ما تَبدّى
ضياءُ الفجرِ أو هَمْسٌ..تَردَّدُ
وما هبَّ النسيمُ على رُباها
وما صدحَ المؤذِّنُ ،قالَ أشْهَدْ
فيا شمسَ الهدى في كلِّ عصرٍ
بُلينا بالعِدا والدّمُّ يشهَدْ
شفاعتُكَ الرجاءُ،مفقدْ رمانا
عدوُّ اللهِ في الأحْشا وسَدَّدْ
أغِثْنا يا رسولَ اللهِ إنّا
على رغْمِ الهدايةِ لا نُوَحَّدْ
فَبِتنَا كَمَا المُضيّعِ في طريقٍ
وَصُهيونٌ غَزا شعْبي وَهَدّدْ
صلاةُ اللهِ ما نَبَضَتْ عُروقٌ
عليكَ،وما دعا عبدٌ وَوَحّدْ!
طاهر مشي
فيا أيها الحبيب،يا صاحب الشفاعة والوسيلة،يا من وعد ربك أن يبعثك مقاما محمودا يغبطك به الأولون والآخرون..أغثنا فإننا في لجج الظلم نغرق،ونجيرنا فإن العدو قد أمعن فينا تمزيقا وتفريقا ونالت الجراح من فلسطين في نخاع العظم..
وصلى الله وسلم وبارك عليك يا خير البرية،ما هبَّ نسيم، وما تغنى عصفور، وما تلا مؤذن شهادة الحق، وما نبض قلب مؤمن بحبك وإخلاص.
وهكذا تبقى يا خير البرية،النور الذي لا يخبو، والأمل الذي لا يخيب، والملاذ الذي لا يردّ من لجأ إليه. تبقى شمس الهدى التي لا تأفل، ونبع الحنان الذي لا ينضب، والشفيع المشفَّع الذي ينتظر أمته على الحوض يوم لا ينفع مال ولا بنون.
لقد صدح الشاعر القدير طاهر مشي بقصيدته فجمع فيها بين عبق المدح وألم الجرح، بين نور الوحي وظلام الواقع،بين الأمس المشرق واليوم الممزق. وجعل من مدحه نداء استغاثة،ومن صلاته على الحبيب صلى الله عليه وسلم دعاء للأمة أن يلمَ الله شعثها،ويوحد كلمتها،ويعيد إليها عزها ومجدها.
وهكذا تبقى هذه القصيدة الموشحة بالجمال والورع،صورة إبداعية مترعة بعطر المديح،ومفعمة بالنور والدموع، تمزج بين نبض القلب وجراح الواقع.إنها صرخة أمة تلفَّعتْ بعباءة الحب النبوي تستجير من بردِ الفتنة ولهيب المحن.
وما زالت صلاة الله تترى
عليك مع السلام مدى الليالي
فأنت النور في الظلماء نهدي
بك نسمو ونعلو في المعالي
وهكذا،أيها الشاعر التونسي القدير طاهر مشي، تظلُّ قصيدتك شاهدة على صدق الانتماء،وعمق الوفاء،وجمال الصياغة التي جمعت بين نور المدح النبوي وجراح الأمة المكلومة.لقد استطعتَ ببراعة أن تحوِّل الحروف إلى أنين، والكلمات إلى نداء، والمدح إلى استغاثة صادقة تلامس القلوب قبل الأفهام. فلك منا كل التقدير والامتنان على هذا العطاء الملهم، وعلى هذه المشاعر الفياضة التي أعادت للأمة صوتها الدافئ بحب خير البرية. حفظك الله ونفع بك، وجعل ما خطته يمينك في ميزان حسناتك، ونورا لك في الدنيا والآخرة.
محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق