حين يصمت الأنبياء..وتبكي الجراح..!
ليس أجمل من أن تقاوم وجعك بصبر الأنبياء، وأنت تعلم أنك لست نبيا،ولا وصيا،بل إنسان فقط...إنسان أرهقته الحياة،وأتعبه الطريق،
وأوحشته الوحدة.
في زحام الأيام،حين تدير ظهرك لتلك الوجوه التي كانت بالأمس تملأ المكان دفئا وحضورا، تكتشف أن الوحدة ليست فراغا حولك،بل هي امتلاء بالغياب.تمشي بين الناس وهم لا يرونك، تصرخ ولا أحد يسمع،تبكي ولا من يمسح دمعة... وتتساءل: متى صار قلبي غريبا بين كل هذه القلوب؟!
لكن العجيب في الأمر،أنك ما زلت تقف.تقف كالجبل،تقاوم كالأنبياء،تصبر كالأطهار.تحمل أوجاعك وكأنها وسام على صدرك،لا تشكو لخلق، ولا تبوح لإنسان..فقط تمضي.
وتمشي وحدك..لا صديق ولا رفيق غير الطريق.
وهذا الطريق الوفي،الذي لا يخذل سالكيه،صار صديقا يسمع وقع خطاك،ويرى دمعك حين تخفيه، ويعرف أنك تبكي بصمت،ذلك البكاء الذي لا يراه الناس،بكاء العزة لا المهانة،بكاء الكبرياء لا الانكسار.
فالبكاء يا صديقي ليس ضعفا أبدا..بل هو لحظة صدق نادرة،يضع فيها القلب سلاح صبره قليلا، ليخلع ثياب القوة الوهمية،ويعود أقوى مما كان. هي استراحة المحارب،لا هزيمته.
تالله..إن الدموع ليست قطرات ماء مالحة فقط، بل هي كلمات صامتة،رسائل من القلب لا تستطيع الشفاه نطقها.ومن الصعب حقا،بل من الموجع،أن تجد إنساناةيقرأ تلك الكلمات،يفك شيفرات الألم، ويفهم لغة العيون الباكية.!
إن أصعب أنواع الوحدة،ليست تلك التي تعيشها وحدك في غرفة موصدة،بل تلك التي تعيشها وسط جمع من الناس،يرونك ولا يرونك،يسمعون صوتك ولا يسمعون وجعك،يمشون معك ولا يشعرون بك.
وحين تكتفي بالطريق صديقا،تكون قد تعلمت أعمق دروس الحياة: أن بعض الرحلات لا تحتاج رفقة،بعض الأوجاع لا تشارك،وبعض الطرق لا تصلح إلا للمشاة المنفردين.
وحدك في عين العاصفة..والريح تعصف،والأمواج تتكسر،وأنت ثابت كالنبي الذي ابتلاه الله فصبر، وكالطود الذي ضربته الرياح فازداد صلابة.
وهذا يكفي..أن يكون الطريق رفيقا،والوجدان شاهدا،والله عونا.
يكفي أنك ما زلت تقف.!
وربما كان أجمل ما في هذه الرحلة أنك تتعلم فيها كيف تكون نبيا بلا رسالة،وكيف تكون بطلا بلا جمهور،وكيف تحب الحياة وأنت وحيد فيها.
وربما كان أعمق ما في هذا الصمت،أنك تبكي في النهاية..ليس لأنك ضعيف،بل لأنك كنت قويا طويلا،وحان الوقت لتفسح المجال للجراح كي تبكي نيابة عنك..!
تبكي لأن الصبر له حدود،والأنبياء كانوا يبكون، والأقوياء كانت لهم لحظات انكسار.
لكنك تبكي وحدك..فلا يد تمتد لتمسح دمعك،ولا صوت يهمس في أذنك "أنا هنا".
وتبكي..ويبقى السؤال المؤلم: هل سيأتي يوم يقرأ فيه أحدهم كلمات دموعي هذه،فيفهم لماذا كنت أبكي؟ أم ستبقى دموعي مثلها..كلمات صامتة،لا يقرؤها أحد؟
تبكي..ويبقى الطريق رفيقا صامتا،لا يعاتب ولا يخون.
تبكي..وتعلم أن البكاء ليس ضعفا،بل لحظة صدق..والصدق مؤلم يا صديقي..مؤلم جداً.
وربما كان أعظم وجع الأنبياء ليس في جلدهم بالسياط،ولا في رميهم بالحجارة،بل في تلك اللحظة التي ينظرون فيها حولهم فلا يرون سوى ظلالهم.حين يمد أحدهم يده ليسندها على كتف صديق،فلا يجد سوى الهواء.حين يبحث بعينيه عن بصيص تفهم في وجوه من أحب،فلا يرى إلا جدارا من الجحود والنكران.
ذاك هو الجلاد الحقيقي: أن تظل نبيا في صبرك، نبيا في عفوڪ،نبيا في حبك..وأن يعاملك الناس كأنك عابر عادي لا ذاكرة لهم معك ولا مستقبل.أن تبكي في صمت فتظن الدنيا أنك لا تشعر،والله يعلم أن دموع الأنبياء لا تُرى،بل تُحتسب.
وها أنا ذا..وحدي من جديد،أُقاوم وأصبر وأبكي بصمت،لا لأني أريد شيئا من هذه الدنيا،بل لأن الطريق ما زال طويلا،وما زال في العمر بقية لأحتمل ما تبقى من خذلان.وحين يسألونني كيف استطعت كل هذا الصبر،سأقول: لأن الأنبياء علّمونا أن الصبر ليس أن تنسى الألم،بل أن تبتسم والجرح ينزف،وتقول رغم كل شيء: الحمد لله.
محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق