مرفأ المنفى: في محراب الابتسامة والضياع
قراءة في قصيدة الشاعر التونسي القدير طاهر مشي " حيث ثغرك الَمبتسم"
-أن نكون بكامل عطرنا،وبكل توقنا للصدق والجمال،وهما يعقدان قرانا بينهما هو الأبهى والأوفى..( الكاتب)
في زمن يبحث فيه الإنسان عن وطن يستقر فيه ظلّه،يأتي الشاعر التونسي القدير د-طاهر مشي ليقلب المعادلة رأسا على عقب،ويجعل من المنفى وطنا،ومن الوجع قصيدة.ففي هذا النص،لا نقرأ شعرا فقط،بل نشهد ولادة روح من رماد الذكرى. إنها قصيدة "حيث ثغرك المبتسم"،ذلك المتنفس المسحور الذي يتحول من جغرافيا الجسد إلى كون بأسره.
يدخلنا الشاعر التونسي الكبير طاهر مشي إلى معمعة الوجدان بدهشة الفيلسوف ورهبة العاشق. هنا،المرفأ ليس مكانا للأمان،بل هو منفى للأحلام؛ ذلك أن الأمان الحقيقي يكمن في روح المحبوب، لا في أي مكان آخر.والشاعر لا يكتب عن امرأة،بل يكتب عن "ابتسامة" استوطنت الكون فغيّرت مساراته.إنه يتأمل "تقاسيم" هذه الابتسامة كما يتأمل الصوفي وجه الحقيقة،فيتوه،لكنه تيه الخلاص لا الضياع.
هذا النص هو لوحة انطباعية رسمت بريشة من ضوء القمر ومداد من الموج.والشاعر يسافر بنا عبر "رقّة البوح" لنغوص معه مبتسمين،حتى وإن كان الغوص في بحر من الألم.إنه يتهادن مع الغيوم، ويعانق الكواكب،ويجتر ذكرى عابرة شتّتت "بعضه"، لأن اللقاء الحقيقي لا يجمعنا،بل يوزعنا في كل الاتجاهات كاشفا عن تعدد أرواحنا داخل الجسد الواحد.فمرحبا بكم في محراب هذه القصيدة حيث الجرح يتوشح بالقمر،والمنفى يحتضن كل الابتسامات.
حيث ثغرك الَمبتسم
هذا المرفأ منفى
لأحلامي
فكلما زارني طيفك
يغمرني السّكون
جميلة ابتسامتك !!!
أتوه في تقاسيمها
فتجرني المتاهات
ورِقّة البوح تسحبني
لكي أغوص مبتسما
تهادنني الغيوم
أعانق بريق الكواكب والنجوم
وأجتر ذكرى
صافحتني ذات لقاء وشتتت بعضي
وذلك الشفق يتقلص الهوينا
يراود أشلائي المبعثرة
تهت طويلا
والمسافات تقصف نبضي
كأنني الآن ولدت
على همس المساء
وسحر الغروب
وزفرات أنفاسي المتقطعة
تغزو الحلم
قفر هو ذلك الليل
وأوجاعي تقاسمني بريق القمر
أراك
والموج يجرفني إلى ما لا عودة
حيث المنفى
حيث ثغرك الَمبتسم
طاهر مشي
بهذا الإيقاع الهادئ،كزفرات المساء المتقطعة، يختتم الشاعر رحلته الوجودية عائدا إلى نقطة البداية، إلى "حيث ثغرك المبتسم"،في دائرة شعرية محكمة تؤكد أن المعاناة الإنسانية قد تكون أبدية،لكنها تكتسب جماليتها من قدرتها على التحليق بنا إلى عوالم الكواكب والنجوم،حتى في لحظات الانكسار.والشاعر طاهر مشي،بقدرته الفائقة على تحويل الألم إلى صورة كونية، وبأسلوبه الذي يمزج الرقة بالعمق،يثبت مرة أخرى أنه شاعر يكتب بلغة الروح،يرسم بالكلمات لوحات تغازل الغروب وتهادن الغيوم،ليبقى صوته الشعري متميزا في سماء الإبداع التونسي والعربي.
وإذا كان المنفى في البدء مرفأً مُفْرغا من الأحلام، فإنه في النهاية يتحول إلى مرآة للروح تعكس وجه الغائب الحاضر،حيث الابتسامة لا تمنح الأمان بل تخلق المتاهة ذاتها،فتكون هي الخريطة والوجهة.هكذا يعلّمنا الشاعر التونسي الكبير طاهر مشي أن الضياع الحقيقي ليس في التيه بلا عنوان،بل في أن يكون عنوانك الوحيد هو ابتسامة لا تُدرك،تسكنك فلا تغادرك،وتغيب فلا تفارقك.وفي هذه الدائرة السحرية بين المنفى والابتسامة،يظل السؤال الشعري مفتوحا:
هل نحن من نعيش الذكرى،أم أنها تعيش فينا وتصنع من أرواحنا مرفأ لا يرسو فيه غيرها؟
ختاما أشير إلى أني أتعامل مع نصوص المبدعين التونسيين والعرب بكل موضوعية وتجرد،غير مدفوع بروح المجاملة أو المحاباة،ذلك أن النص الجيد وحده من يمارس إكراهاته على قارئه، ويفرض عليه الاقتراب منه برؤية ثاقبة تتجاوز النقد الانطباعي نحو مقاربة نقدية رصينة تليق بجماليات النص وبنائه الفني.
وأرجو أن تستساغ ملاحظتي جيدا،ووضعها في سياقها الموضوعي..
محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق