طقطقة كعب" قصيدة للشاعرة والكاتبة التونسية الأستاذة هادية آمنة ( نَشيد الحُروف..وسرّ البقاء..)
ليس مجرد وقع حذاء على بلاط الذاكرة،بل هو إيقاع روح تبحث عن ذاتها في متاهات الوجود. "طقطقة كعب" قصيدة الشاعرة التونسية الكبيرة هادية آمنة،هي رحلة بحفر في سراديب الروح، حيث يُعلّق القلق مصباحه الزجاجي الموشّى بالأرق،ليضيء عتمة الأسئلة الكبرى.إنه الإيغال في "الغرام النبيل" الذي لا تتسع له الأرض،بل يحتاج إلى فضاءات الحلم والكتابة.وهو،في الوقت ذاته، بحث يائس عن دفء الرغبة في زمن يسوده صمت رهيب،يخنق صخب الرعشة ويُسكت همس الحلم.
تطل علينا هذه النفس الهائجة،المتشظية بين فرح الكتابة ووجع العيش،من عتبة القصيدة الأولى: عنوانها.فعنوان "طقطقة كعب" ليس مجرد تسمية، بل هو شيفرة وجودية تؤجج فينا شوقا صاخبا لـ "أبٍ رحيم" يهجع خلف الشغاف،أب صار بعد رحيله أيقونة للحنان ومسافةً للشوق.
في هذه القراءة،ننطلق من أن العنوان وحيٌ من روح النص،وأن النصوص الشعرية لدى هادية آمنة تتأسس على مرجعيات كبرى: الذاكرة بوصفها الخلاص من حرائق الراهن،والارتحال إلى ماض أكثر رحابة وأقل وجعا.إن ذاكرتها ليست فردية فحسب،بل هي ذاكرة جمع وإنسان،تتسع لهموم الجماعة قبل أن تصوغ أوجاع الإنسان في المطلق. إنها ترسم بالحروف لوحات تشكيلية،تمتزج فيها الألوان بالأحاسيس،وتتداخل فيها الحدود بين الفنون، فتصبح القصيدة فضاء بصريا يعانق بياض الورق.
تتثاءب الحروف وتتململ الكلمات في قصائد هادية آمنة،لتتشكل في النهاية كنصّ شعري يلامس نرجس القلب.إنها فضاءات شعرية تتقاطع فيها لذة العشق مع وجع الحصار،وتتنوع فيها المداخل التأويلية،فكل بيت كونٌ قائم بذاته،قابل لأكثر من تأويل،ومنفتح على أكثر من احتمال.
تتجلى براعة الشاعرة في محورية عنوانها: "طقطقة كعب".إنه عنوان يختزل العلامات الدالة على أسئلة المتن الشعري،ويضمر في طيّاته كتابة دلالية تجعل منه مفتاحا أساسيا لفهم مغالق النص،والكشف عن غموضه المتعمد.فجوهر الإبداع عند هادية آمنة هو تجاوز المألوف،وسعي دائم نحو إدراك ما لا يُدرك من جماليات الشعر وأسئلته.
أما المتن الشعري،فيقوم على تيمتين أساسيتين تتجاوران وتتقاطعان ببراعة: الوفاء للأب الراحل كأيقونة غائبة-حاضرة،وعطر الأنوثة كطاقة للحياة والتجلي.
توزع الشاعرة قصيدتها بين هذين المحورين باقتدار،وتجعل منهما نسيجا شعريا واحدا.
ولنتمعن في قدرتها على استبطان اللغة،وكأن العربية قد أُطيعت لها،فجعلت من الحرف لبنة حية في بناء شعري متكامل.
تقول هادية آمنة:
بكعبها العالي جاءته تُطقطق
بمساحيق الغواية وجهها يغرق
بالعطور الباريسية أعطافها تعبق
براءة المكر من عيونها تُدهق
قبلات الورود على خدودها تُشرق
فاتنة في حبّها الكثير يغرق
على نخبها طهر السلسبيل يُهرق
بيادر الرياحين من مجالها تعبق
حروف الأبجديّة بالكاد تنطق
حرف الراء بلكنة عسل
غاء تُطلق
ينظر إليها الزيتونيّ ويضحك
شهد فيها ضياء سناها
وهام أبوها بطلق هواها
ظرف القطط في رسم خطاها
هويدتي
أخاف عليك مجون السنون
وعبث الدنيا فأنتِ فُتون
طوّقتِ العيون وأنتِ صغيرة
فكيف الحال إن صرتِ كبيرة؟
سكبتُ فيك من روحي شِعري
منهل للحرف في لحظة التجلّي
علقتِ خواطري أمانة
احكيها
ترانيم شوق على أهداب قصيدة
غّنيها
إن البنية الصوتية لهذه القصيدة ليست مجرد زينة عروضية،بل هي عمود فقري للتجربة الشعرية.إنها بنية مضادة للخطاب النثري،تعتمد على الموسيقى كخاصية عضوية ووظيفية.فبالأصوات تبني الشاعرة جوا موسيقيا خاصا،يشيع دلالات الحنين والفرح والألم معا.ومن أبرز الظواهر الأسلوبية هنا، تعويل هادية آمنة على المدود والصوائت الطوال (مثل: هواها-خطاها-سناها)،مما يحمّل هذه الأصوات عبء انفعالاتها وأحاسيسها الجياشة، ويحوّلها إلى ما يشبه "الكلمة الصرخة" بمفهوم جان كوهن،حيث يصبح للصوت بعد تعجبي ووجداني خالص.
وفي زمن تترنح فيه الكلمات على أسوار الصمت، تطل علينا هادية آمنة بنشيدها الأنثوي الأبدي، لتؤكد أن الشعر ليس مجرد صياغة لغوية،بل هو فعل وجود بامتياز.
في "طقطقة كعب"نجد صوت امرأة تكتب بدم الغياب وحليب الحضور،تنحت من حروف الأبجدية ممرات ضوء تصل بين الأرض والسماء، بين الطفولة والأنوثة،بين الفراق واللقاء.
لقد استطاعت الشاعرة التونسية الكبيرة الأستاذة هادية آمنة أن تحوّل الألم إلى لوحة جمالية،وأن تجعل من رحيل الأب ولادة دائمة في النص.إنها تكتب كي لا تموت الأشياء،وكي تبقى الرعشة حية تحت جلد الزمن.تكتب بلغة تلامس الغيم وتزرع في الصحراء وردا،وبصوت يهزّ فينا أوتارا ظنناها انكسرت.
هادية آمنة ليست مجرد كاتبة تعبر عن ذاتها،بل هي صوتٌ شاعري أصيل،يمثل امتدادا للقامات النسائية العربية التي جعلت من الشعر معبدا للحرية،ومن الأنوثة مملكة للخلق والإبداع.إنها بحق منارة تضيء الدرب لكل من يؤمن بأن الكلمة قادرة على أن تكون أوسع من العالم،وأعمق من الجراح،وأجمل من الأحلام.
والسؤال الذي يظل عالقا في فضاء الروح:
هل لامست كلمات هادية آمنة في دواخلنا شيئا من دفء الأب الغائب،فحركت فينا بحور الشوق الساكنة؟
وهل هزّت فينا وترا ما،فألهبت حماسنا لنكتب نحن أيضا قصائدنا المهداة إلى آبائنا،الذين كانوا بالأمس وسادة ريش لحظة السقوط،وهم اليوم أيقونة ضوء في زمن الغياب؟
يبقى السؤال عاريا،حافيا،ينخر شفيف الروح...
وقصيدة هادية آمنة تبقى هي الجواب،نشيدا لا ينتهي،وحروفا لا تموت.
في الختام،لا يسعني إلا أن أرفع القبعة إجلالا وتقديرا للشاعرة والكاتبة التونسية المبدعة هادية آمنة.شاعرة استطاعت أن تؤثث المشهد الثقافي العربي برؤاها العميقة ونصوصها الباذخة،وأن تجعل من الحرف الأنثوي صرخة وجود وهمس خلود.هي حقا أيقونة إبداعية تونسية ناصعة، تستحق كل الثناء والتقدير على ما تقدمه من شعر يرقى بالوجدان ويثري العقل.
كل الشكر والتقدير لها على هذا الفيض الإبداعي المتدفق.
محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق