الثلاثاء، 10 مارس 2026

الإقصاء الذي لا يبرر: قراءة في تغييب الشاعر التونسي أ-عادل الهمامي من الموسوعة الشعرية المغربية بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 الإقصاء الذي لا يبرر:

قراءة في تغييب الشاعر التونسي أ-عادل الهمامي من الموسوعة الشعرية المغربية


(الهوية والانتماء: أسئلة المعايير في التوثيق الثقافي)


في زمن تكثر فيه الموسوعات والمدونات الثقافية،تبرز إشكالية كبرى تتعلق بمعايير الاختيار والضم،وبمن يمتلك سلطة توثيق الإبداع العربي. ليس خافيا ما تبذله الشاعرة المغربية فاطمة بوعراكة من جهد توثيقي يستحق التقدير،حيث أصدرت موسوعة شعرية ضخمة في جزأين تضم 350 شاعرا وشاعرة من المغرب،تغطي حقبة تمتد من 1953 إلى 2023 .لكن التساؤل المشروع يظل معلقا: كيف لشاعر تونسي بحجم عادل الهمامي،الحاضر في المشهد الشعري منذ تسعينات القرن الماضي،وصاحب تسعة إصدارات،أن يغيب عن هذا التوثيق؟!

لا يمكن فهم هذا الإقصاء بمعزل عن سياقات أوسع.فالموسوعة،بحسب ما ورد في تعريفها، مكرسة للشعر المغربي وتخلد "مراحل من الإبداع منذ ثورة الملك والشعب إلى عهد صاحب الجلالة الملك محمد السادس".لكن السؤال الذي يطرحه الشاعر نفسه يظل مشروعا: هل كان الملتقى العربي لشعر المقاومة،الذي أسسه وأداره،هو السبب في هذا الإقصاء؟!

ما يثير الانتباه حقا أن الموسوعة نفسها تضم أسماء غير معروفة في الساحة الشعرية العربية، بينما يُغيّب اسم شاعر تونسي كبير مثل عادل الهمامي.والمفارقة أن بوعراكة نفسها التقت بالشاعر في مهرجان أدبي بتطاوين،وتعرّفه شخصيا،مما يجعل تجاهله مقصودا وليس ناتجا عن نقص في المعلومات.

يبدو أن موقف الهمامي الداعم للمقاومة، وتأسيسه ملتقى عربيا لشعر المقاومة،قد جعله خارج دائرة التوثيق لدى بعض المؤسسات الثقافية العربية التي تتفادى الاصطدام مع توجهات التطبيع.ففي زمن تتسارع فيه خطوات التطبيع مع الكيان الصهيوني،يصبح المدافع عن المقاومة صوتا ناشزا يستحق الإقصاء أو التغييب.!

هذا الإقصاء ليس مجرد تجاهل فردي،بل يعكس ظاهرة أوسع في الثقافة العربية الرسمية،حيث تُبنى الموسوعات والمدونات على أسس انتقائية تخدم توجهات سياسية معينة،وتتجاهل الأصوات التي ترفض الانحياز إلى مشاريع التطبيع والاستسلام.

على هذا الأساس،لا يمكن لأي موسوعة عربية جادة أن تتجاهل شاعرا مثل عادل الهمامي،الذي قدم للمكتبة الشعرية العربية-كما أشرت-تسعة إصدارات على مدى ثلاثين عاما.وهو ليس مجرد شاعر عادي،بل مؤسس ثقافي أطلق الملتقى العربي لشعر المقاومة،وأسهم في تفعيل المشهد الشعري ليس في تونس فقط،بل على المستوى العربي.

الهمامي-في تقديري-يمثل نموذجا للشاعر الملتزم بقضايا أمته،الذي يضع إبداعه في خدمة المقاومة والتحرر.هذا النموذج يصبح مصدر إزعاج لمن يريدون ثقافة محايدة أو منفصلة عن الصراع الوجودي للأمة.ولذلك،فإن تغييبه عن الموسوعة الشعرية المغربية يطرح أسئلة عميقة حول وظيفة الثقافة ودور المثقف في زمن الانكسارات.

ولا يمكن أن تمر عملية الإقصاء هذه دون وقفة نقدية جادة.فالموسوعات الثقافية ليست مجرد سجلات جامدة،بل هي تشكيل للذاكرة الجماعية وتحديد لمن يستحق البقاء في دائرة الضوء. وعندما تُبنى هذه الموسوعات على أسس غير موضوعية،فإنها تسهم في تشويه المشهد الثقافي العربي.

إن ما قامت به فاطمة بوعراكة من جهد توثيقي للشعر المغربي أمر يثمن،لكن إقصاء شاعر بحجم عادل الهمامي يظل ثغرة كبيرة في هذا الجهد.لقد أفردت بوعراكة أعمالا سابقة للشعراء العرب،مثل موسوعتها عن الشعراء العرب وموسوعتها عن الشعر العراقي،مما يجعل تغييب الهمامي أكثر غرابة وإيلاما..!

ويبقى الشاعر التونسي الكبير الأستاذ عادل الهمامي حاضرا في المشهد الشعري العربي بجدارة إبداعية وليس بتزكيات موسمية.فهو شاعر المقاومة والتحرر،الذي جعل من قصيدته سلاحا وسجلا نابضا بجراح الأمة وآمالها.والواجب الثقافي يحتم الاحتفاء به ورد الاعتبار له،ليس لأنه غائب من موسوعة هنا أو هناك،بل لأن صوته الشعري يمثل امتدادا حقيقيا لقصيدة النضال العربي التي نفتقدها اليوم في زمن ثقافة الاستهلاك والترفيه.

فالمشهد الثقافي العربي بحاجة ماسة إلى أصوات مثل صوت عادل الهمامي،أصوات لا تهادن ولا تساوم،بل تظل وفيّة لرسالة الشعر الحقيقية: الدفاع عن الإنسان وقضاياه العادلة،وفي مقدمتها قضية فلسطين والمقاومة.

ختاما أقول : ليس المهم أن يُذكر اسمك في موسوعة،فالأهم أن يُذكر في ضمير الشعر الحي. فعادل الهمامي شاعرصنع حضوره بإبداعه وموقفه،وأسس لملتقى عربي جعل من المقاومة قضية شعرية جامعة،فكانت قصائده وأنشودته للأطفال دعوة للحياة والنضال معا. 

إنّ إسقاط اسمه ليس مجرد خطأ منهجي،بل خسارة لذاكرة شعرية تونسية وعربية يجب أن تُصان.وآن الأوان لرد الاعتبار لهذا الشاعر المبدع، عبر توثيق عادل يليق بمنجزه،وعبر احتفاء نقدي يعيد لشعر المقاومة مكانته الطبيعية في وجداننا الثقافي.فمن يكتب الشعر لأطفال فلسطين ويملأ الدنيا قصائد في وجه الظلم،لا يمكن أن يُشطب من الذاكرة،لأن القصيدة أقوى من كل الموسوعات، والحضور الحقيقي هو ما يبقى في قلوب الناس قبل الصفحات.


متابعة محمد المحسن



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق