الخميس، 19 مارس 2026

مظفر النواب..شاعر الاستلاب الأبدي ( ج1) بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 مظفر النواب..شاعر الاستلاب الأبدي ( ج1)

(الغريب يلتقي الغريب في دمشق..و"عروس السفائن" تبحر بنا إلى المجهول )


(حين يكون الغريب..مرآة للغريب)


"مساء المتاهات يا قلب

أثمل وراء المتاريس،دَخِّن

أُكتب على البندقية حُباً

وخُذ طلقتين لعينيك حُزني.."


مظفر النواب


في زمن كان يحكمه حفاة الضمير،حيث كانت الحقيقة تتقافز بين أصابعنا كالسراب،كنت أجوب الشرق الأوسط بحثا عن بصيص حقيقة يلملم جراح أمة تهشمت على صخور النكبات.وفي دمشق،تلك المدينة التي طالما احتضنت الغرباء، كان لقائي بالغريب الأكبر.

هناك،على أحد كراسي مقهى "هافانا" المتواضعة، جلست أمام شاعر نحيل،عيناه تحملان تعب المنافي،وصوته يشبه صرير السفن القديمة.كان مقهى الهافانا آنذاك،كما شهد رواده،ملتقى لكبار الشعراء والمثقفين الذين احتضنتهم دمشق.كان لقاء الغريب بالغريب،وكأن دمشق جمعتنا لنتبادل هموم التشرد والمنفى.

بعد تلك الأمسية الدمشقية الباردة،جبتُ مدنا عديدة في الشرق الأوسط،بحثا عن شاعر يشبه مظفر النواب..فلم أجده.كان فريدا كالنخيل، شامخا كالنهر،وحزيناً كالعراق.

لطالما شكل البحر في شعر مظفر النواب فضاء للخلاص والهروب من أسر الأرض التي ضاقت به وبأحلامه.وفي قصيدته الأشهر "عروس السفائن" ، التي نُشرت للمرة الأولى في عدد مجلة "الطليعة" الكويتية الصادر في السابع والعشرين من أفريل/ نيسان عام 1974،يبني الشاعر مملكته المائية هرباً من يابسة تلفظه:

"عروس السفائن! ألصقت ظهري الكسير على خشب الشمس فيك

حريصا على الصمت،مدمىً من الناس،في البر استنجد البحر.."

هذا المدخل الاستثنائي يختلف عن أغلب الشعراء الذين يبدأون قصائدهم بالتغني بالحبيبة.النواب يدخل من بوابة الأنين والتعب مما يجري حوله من أحداث،رغم أن مأساته الشخصية في ابتعاده القسري عن الوطن كانت كافية ليهزه ويبكيه.لكنه يختار البحر والسفينة أدوات للانطلاق،لغرض مصالحة نفسه مع ذاته،ولإبعاد القصيدة عن المباشرة،وجعل صورها أكثر حسية وأقرب إلى الرمز والإيحاء.

تتميز لغة مظفر النواب بقدرتها الفائقة على تجسيد المعاني المجردة في صور حسية مكثفة. إنه لا يكتب من خارج فلول الكتابة،بل هو مهندس على المادة الورقية،حيث يسور قصائده بقسوة التحدي والتمرد والمواجهة.الكم الكبير من الاستلاب المتماهي في قصائده يجعل القارئ يعيش ارهاصات وجدانية وتاريخية مجمعة في المادة الشعرية من صور وتشظ وانبناء وانسحاب.

لقد تمكن النواب من تجاوز الثنائيات المألوفة في الشعر السياسي،فلم يقع في فخ الشعارات المباشرة،ولم يغرق في الرمزية المبهمة.كانت لغته أشبه بسيف ذي حدين: حدّ يقطع مع الخطاب التقليدي،وحدّ يشق طريقا جديدا للتعبير عن هموم الأمة.إنه يصدر عن رؤية ورؤيا معا،وكلاهما ضرب من ضروب الامتداد الأنثروبولوجي لشاعر يحمل في جعبته تاريخا طويلا من المعاناة والنضال.

لقد شكل مظفر النواب ظاهرة فريدة في الشعر العربي المعاصر،ليس فقط بسبب جرأته السياسية، بل أيضا بسبب قدرته على تحويل المعاناة الشخصية إلى طاقة إبداعية هائلة.فمن سجون العراق إلى منافي الشتات،ظل النواب وفيا لصوته الداخلي،صوته الذي كان يراهن على قدرة الكلمة على التغيير.وقد أطلق عليه لقب "شاعر القصيدة المهربة" لأن قصائده كانت تنتقل سرا بين أيدي الناس،كأنها منشورات ثورية تلهب حماس الجماهير.

لكن المثير في تجربته أنه استطاع أن يحول السرية إلى علنية،والهامش إلى مركز،دون أن يفقد بريقه الشعري أو حدته النقدية.وكان يعرف أن القصيدة الحقيقية هي تلك التي تستطيع أن تخترق جدار الصمت والرقابة،ليس بالصخب،بل بالعمق والصدق الفني. 

وفي لقاءاتي معه بدمشق،كان يردد دائما أن الشعر ليس ترفا فكريا،بل هو ضرورة وجودية،وأن الشاعر الحقيقي هو من يدفع ثمن كلماته.

فجمالية الاستلاب في شعر مظفر النواب تتأصل في انغراس معطياتها وإفرازاتها في أعماق تاريخ المعارضة السياسية العربية الرافضة للاستبداد. لقد تسربل النواب بعباءة ظاهرها المبدع وباطنها الثائر المتمرد.فالاستلاب ليس في واجهة قصائده فحسب،بل في ذاته الفردية والجماعية،يعبر عنها من خلال فلسطين والعراق وليبيا واليمن..إنها حالة عشق،يدافع فيها الشاعر العاشق لقضايا الناس عن المفقود والمنشود،لأنه تواق لبلوغ إنسانية هذه الأمة الممزقة.

ولم يكن إعلان اسم مظفر النواب مرشحا لجائزة نوبل للآداب ثم فوز الكاتب البريطاني من أصل ياباني كازو إيشيغورو سوى مواصلة لحالة الاستلاب التي عاشها الشاعر.فمثل هذه الجوائز كثيرا ما تذهب لمن هم في دائرة الضوء الغربي، بينما يبقى مبدعون كبار مثل النواب في الظل، رغم أن تأثيرهم في وجدان الأمة أعمق وأكثر امتدادا.

ولو سنحت الفرصة بعيدا عن الموضوعية المطلوبة لقلت: مظفر النواب لا يمكن أن يحيا دون استلاب،لأنه ابن هذه الأمة بكل تناقضاتها وجراحها.استلاب الشاعر هو استلاب الأمة نفسها، التي تبحث عن خلاصها بين أحضان الماضي المجيد وآلام الحاضر الموجع.

في ختام هذا المقال،لا يسعني إلا أن أستذكر تلك الأمسية الدمشقية الباردة في مقهى"هافانا"،حين ألقى مظفر على مسامعي بعضا من قصائده بصوت خافت هادئ.كنت أظن-كما أشرت-أنني سألقى شاعرا يشبهه في رحلاتي التالية،في بيروت أو عمان أو القاهرة أو بغداد،لكنني لم أجده.كان وحيدا في عظمته،غريباحتى بين الغرباء.!

في ختام هذه الرحلة المتعبة خلف ظل شاعر استثنائي،أعود-ثانية-بذاكرتي إلى ذلك المساء الدمشقي البارد في مقهى "هافانا" المتواضع، حيث التقيت الغريب الأكبر.هناك،على ذلك الكرسي الخشبي الذي احتضن تعب المنافي، تعلمت أن الشعر ليس كلمات تقال،بل حياة تعاش، وموت مؤجل،وولادة متجددة في كل قصيدة.

كان مظفر النواب،كما رأيته وكما عشته في قصائده،أشبه ببحر هائج لا يعرف الحدود.بحر لا يهدأ،ولا يستكين،ولا يقبل بالعبودية.كان يعرف أن الشاعر الحقيقي هو من يدفع ثمن كلماته،وكان مستعدا لدفع هذا الثمن مرارا وتكرارا.لم يخفِ صوته خلف أقنعة،ولم يجمّل القبح،ولم يصمت أمام الاستبداد.كان يكتب كما يهطل المطر: غزيرا، عفويا،لا يطلب إذنا من أحد.

ما أدهشني في مظفر،وما أدهش كل من عرفه عن قرب،أنه استطاع أن يحول الاستلاب الذي عاشه إلى طاقة خلاقة.استلاب المنفى،واستلاب القهر، واستلاب الجوع والحنين،كلها تحولت في قصائده إلى صور مضيئة تخترق الوجدان العربي كالسهم. لم يكتب من أجل الجوائز،ولم يبحث عن الأضواء، بل كان يكتب لأنه لا يستطيع إلا أن يكتب.كان الشعر لديه ضرورة وجودية،مثل الهواء والماء.

ورحل مظفر في العشرين من ماي 2022،لكنه لم يرحل حقا.هو الآن هناك،في كل بيت شعري يردده عابر سبيل في بغداد أو بيروت أو دمشق.هو في زفرات العشاق،وفي صرخات الثوار،وفي همسات المنفيين الذين يحنون إلى وطن لا يريدهم.هو في البحر الذي طالما تغنى به،وفي السفينة التي كانت عروس أحلامه،وفي النخيل الشامخ الذي يشبهه في وحدته وصموده.

ويبقى السؤال الذي طرحناه في البداية: هل يمكن لأمة لا تقدر مبدعيها أن تنهض من كبوتها؟!

 ربما يكون الجواب في استمرار تداول قصائد مظفر النواب سرا وعلنا،وفي بقائه حيا في الذاكرة الشعبية رغم كل محاولات التهميش.

 ربما يكون الجواب في أن الأجيال الجديدة ستظل تعثر عليه،في زوايا المقهى،في صفحات الكتب القديمة،في تسجيلات صوتية بالية، وتكتشف أن هذا الشاعر الذي رحل جسدا لا يزال ينبض شعراً وحياة.

هكذا كان مظفر النواب..شاعرا ثائرا حتى النخاع، يحمل في صوته هموم أمة،وفي عينيه حنين وطن،وفي قصائده استشراف لم يأتِ بعد.

نم بسلام أيها الشاعر العظيم.نم كما ينام البحر بعد عاصفة،وكما تنام السفينة بعد رحلة طويلة.فأنت لست في قبر،أنت في كل موجة،وفي كل قصيدة، وفي كل قلب يعرف أن الحرية لا تقدر بثمن. ولروحك السلام..من البحر إلى البحر.


محمد المحسن



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق