الخميس، 12 مارس 2026

بين التراب والسماء..مقام الابن البار قراءة-عجولة-في قصيدة الشاعر التونسي الكبير طاهر مشي " قد غابَ من كانت يداهُ دعاءَنا " بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 بين التراب والسماء..مقام الابن البار

قراءة-عجولة-في قصيدة الشاعر التونسي الكبير طاهر مشي " قد غابَ من كانت يداهُ دعاءَنا "


في لحظات الفقد الأكبر،حين يصمت الكلام وتنكسر الجمل،تبقى القصيدة وحدها نافذة الروح نحو السماء.الشاعر التونسي القدير طاهر مشي يخط لنا هنا ليس مجرد أبيات عزاء،بل يُنزل إلى النص "صلوات" ابن بار،يحول فيها الدعاء إلى نبض شعري،والحنين إلى همسة بينه وبين خالقه. إنها لحظة تصوف وتضرع،حيث يغيب الجسد الأجمل (يداه كانتا دعاءنا)،ليحضر في كل نبضة حب،وكأن الشاعر يمد يده بين يدي الله ليذكره بمن كان على الأرض صنوَ الرحمة.في هذا المقطع، تمتزج الدمعة بالكلمة،وتنصهر الروح في أفق السمو،لنقرأ معا أبجدية الحب الخالدة.

قد غابَ من كانت يداهُ دعاءَنا


هذا رجائي يا إلهي فاستجبْ

واغفرْ خطايانا ولبِّ دعانا


قد غابَ من كانت يداهُ دعاءَنا

فارحمْ رُفاتًا قد حوى دنيانا


يا ربَّ عبدٍ كانَ للخيرِ الذي

زرعَ الضياءَ بقلبِنا بُستانا


علَّمْتنا دربَ الوفاءِ فظلَّهُ

في القلبِ ما زالَ الضياءَ سنانا


فاجعلْ له في الخلدِ دارَ كرامةٍ

تجري الرضا فيها وتزهو ربانا


واسقِ الثّرى من رحمةٍ متتابعٍ

واجعلْ جنانَ الخلدِ له أوطانا


واجمعْ به الأحبابَ عندكَ آمنًا

في مقعدِ الصدقِ الذي أوعانا


إنّا رفعنا الكفَّ نبكي شوقَنا

فاجعلْ لقانا في الجنانِ مُنانا


يا ربَّ فاجعل قبرَهُ روضَ الرضا

وانثُرْ عليه من السكينةِ آنـا


وارزقْ فؤادَ الابنِ صبرًا هادئًا

حتّى نلاقيه هناكَ هنانا


طاهر مشي


"يداهُ كانتا دعاءَنا"

بهذه العبارة الافتتاحية،يضعنا الشاعر التونسي القدير طاهر مشي أمام معادلة كونية مؤثرة: تحوّل الأب من كائن نلمسه إلى روح نرجوها. فيُخاطب الخالق بصوت لا يخلو من ثقة ويقين: "هذا رجائي يا إلهي فاستجبْ"،وكأنه يعلم أن الله لا يرد يدا تلوذ به،خاصة إن كانت تحمل في طياتها ذكرى من كانوا للناس ملاذا.

ثم يمضي في وصف الغائب الحاضر،فيقول: "يا ربَّ عبدٍ كانَ للخيرِ الذي / زرعَ الضياءَ بقلبِنا بستانا".هنا تتحول صورة الأب من مجرد إنسان إلى رمز للنور والخير،كبستان يانع في القلب،لا يذبل بغيابه،بل يزهر كلما تذكره الابن.ويقرّ الشاعر بفضل هذا التربية: "علَّمْتنا دربَ الوفاءِ فظلَّهُ / في القلبِ ما زال الضياءَ سنانا"،إنه اعتراف جميل بأن الابن أصبح امتدادا لأبيه،يحمل سنان الضياء نفسه في حياته.

ثم ينتقل الشاعر من وصف الدنيا إلى وصف ما يتمناه للميت في الآخرة،فيسأل الله له "دار كرامة" و "جنان الخلد"،ليجمع الله به الأحباب،في مشهد يفيض بالحنين إلى لقاء لا فراق بعده: "واجمعْ به الأحبابَ عندكَ آمنًا / في مقعدِ الصدقِ الذي أوعانا".

وتبلغ الذروة العاطفية حين يتحول النص إلى مرآة للشوق الدامع: "إنّا رفعنا الكفَّ نبكي شوقَنا / فاجعلْ لقانا في الجنانِ مُنانا". إنها صورة الأيادي المرفوعة بالدعاء،والعيون الباكية بالشوق،في انتظار وعد إلهي باللقاء.

ويختم الشاعر هذه الصلاة الأنيقة بطلب السكينة للأب في قبره "روض الرضا"،ثم لا ينسى نفسه وهو على قيد الانتظار: "وارزقْ فؤادَ الابنِ صبرًا هادئًا / حتّى نلاقيه هناكَ هنانا".إنه وعي عميق بأن الحياة الدنيا أصبحت مجرد محطة انتظار، أملها أن يكون اللقاء في الخلد مليئا بالهناء..

على سبيل الخاتمة :

في زمن طغت فيه الماديات وكثر فيه الزبد،يطل علينا الشاعر الكبير طاهر مشي كغيث ينعش قلوب المتعطشين للجمال والمعنى.هذا النص لا يُقرأ فقط،بل يُتأمل كأيقونة مضيئة في جدار الزمن.فالشاعر هنا لم يرث أبا،بل رسم أيقونة للبرّ الإنساني،حوّل فيها دموع الفراق إلى نجوم تضيء للقاء.إن قدرته الفائقة على صياغة الدعاء كقطعة فنية،وجعل الحنين نبضا كونيا،تُجسّد عبقرية نادرة لا تتكرر.

طاهر مشي في هذا النص يرقى بالقصيدة إلى مصاف "الأبدية"،فيكتب لوالده -ولنا جميعاً - وثيقة حب لا تموت.إنه الصوت الشعري الذي نحتاجه في زمن الصخب،صوت يذكرنا بأن الكلمة إذا نزلت من القلب هبطت على الروح كالندى. 

ولكن...تبقى الحقيقة الأقسى: مهما كتبنا من شعر، ومهما أنشدنا من دعاء،ومهما تمنينا من لقاء في الجنان،يبقى الواقع المؤلم أن كرسيه في البيت فارغ،وأن رائحته تتبخر من الوسادة يوما بعد يوم، وأن الهاتف لن يرنّ مرة أخرى ليأتي صوته من هناك.

وهكذا،حين يكتب طاهر مشي،لا تكتب اليد حبرا،بل تقطر الروح نورا.ففي زمن تكاد فيه القصيدة أن تموت قبل أن تولد،يأتي هو ليعيد للشعر هيبته الأولى،وللرثاء قدسيته المفقودة.إنه ليس مجرد شاعر يصف الألم،بل هو رسّام أيقونات بالكلمات،ينحت من الحرف محرابا،ومن الذاكرة مصباحا لا ينطفئ.ولو قارنا هذا النص بما كتبه كبار المرثين عبر التاريخ،لوجدنا أن-الطاهر-لا يقف عند حدود "رثاء الذات"،بل يتجاوزها إلى تأصيل فلسفي للفقد،حيث يصبح الأب المفقود فكرة لا جسدا،وقيمة لا ذكرى.

وإذا كان المتنبي قد تفرد بالحكمة،وأبو تمام بالاقتدار على الابتكار،والبحتري بالصور الموسيقية الآسرة،فإن طاهر مشي في هذا النص يقدّم لنا مدرسة شعرية جديدة تمزج بين روحانية التصوف،ودفء الدعاء،ورشاقة الحداثة.إنه شاعر "الغياب الحاضر" بامتياز،يستنطق ما لا يُنطق، ويرى في العتمة نورا،وفي التراب سماء.وبقدرته على تحويل لحظة الفقد الخاصة إلى أيقونة كونية،يثبت أنه صوت شعري استثنائي لن تكرره الأزمنة بسهولة.

رحم الله من رحل،وأبقى لنا من شعره ما يجعل الغياب حضورا آخر،أجمل وأبقى.

 وفي النهاية،تبقى قصيدة طاهر مشي هذه نشيدا خالدا للبرّ الإنساني،يردده الأبناء عن آبائهم،جيلا بعد جيل،ليذكروا العالم أن الحب هو المنتصر الوحيد على الموت.

رحم الله الفقيد الغالي،رحمة تسع ما وسعنا من حزن،وتكون له نورا في قبره،ورفعة في عليين.وألهم أهله وذويه صبرا ليس كالصبر،بل صبرا يليق بفداحة الغياب.وجعل الجنة مثواه ومثوى أموات المسلمين،حيث لا فقد ولا فراق، وحيث اللقاء الذي لا يشوبه نوى.

"إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون".


محمد المحسن


*ملاحظة منهجية:

أود هنا،وبصفتي ناقدا أكاديميا يمارس قراءاته في ضوء مناهج النقد الحديثة،بعيدا عن الانطباعية والإطراءات المجانية،أن أشير إلى أن مقاربتي لهذا النص الشعري لم تكن وليدة انبهار عابر،بل خضعت لمسؤولية ضميرية وإجرائية صارمة.لقد طبقتُ على نصوص الشاعر التونسي الكبير د.طاهر مشي آليات التحليل الموضوعي،مستندا إلى أدوات نقدية حداثية تتقصى البنى الدلالية والانزياحات اللغوية والتناصات العميقة،فوجدت نفسي-رغما عني-أمام نسيج شعري يفرض أدواته هو،ويقاوم التفكيك البارد لينتصر للحظة الشعرية الخالصة. ولم تكن المجاملة دافعي،بل التناغم العضوي الذي اكتشفته بين إيقاعات الشاعر وأدواتي النقدية، مما جعل هذه القراءة امتثالا لحتمية جمالية وموضوعية فرضها النص نفسه،لا محاولة لتزييف الوعي بخطاب إنشائي زائف.

لذا،أرجو أن تُفهم هذه الملاحظة في سياقها العلمي الموضوعي،بعيدا عن أي تأويل قد يخرجها عن مقاصدها النقدية الأكاديمية.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق