الخميس، 19 مارس 2026

فراشات الكلام..وغبار الذاكرة بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 فراشات الكلام..وغبار الذاكرة

صباح الخير..تلك الكلمات التي نرميها كالنرد في وجوه بعضنا كل صباح،نظنها مجرد طقس عابر، لكنها في الحقيقة فراشات ملوّنة تحمل في أجنحتها الرقيقة أقدارا صغيرة.نطلقها فتطير، نراها ترفرف للحظات،ثم لا تلبث أن تصطدم بجدار الواقع فتموت.وما يتبقى منها ليس جثثا صغيرة،بل غبارا ناعما يترسب في الذاكرة،يعلق بتفاصيلنا العميقة،ويجعلنا نحنّ كلما هبّت رياح الذكرى.

العجيب في الكلمات الجميلة أنها تولد ميتة.تولد في لحظة صدق عابر،فتخيّل لنا أنها ستعمر طويلاً. نسمع "سأبقى معك"، "لن تتغير الحياة بيننا"، "أنت مختلف".فنفرح بها كأطفال يطاردون فراشات في حقل واسع.نظن أننا أمسكنا بالجمال ذاته،لكن أيدينا حين تنقبض لا تجد إلا غبار الأجنحة. تختفي الفراشة،ويبقى اللمعان على الأصابع يذكّرنا أنها كانت هنا،أنها مرّت،أنها وعدت ثم رحلت.

وهكذا تصبح الذاكرة مقبرة للوعود.كل كلمة جميلة قيلت لنا ذات صباح،كل عبارة حنون كتبت في رسالة،كل تغريدة حب مرت كالشهاب..تتحول مع الزمن إلى غبار ناعم يملأ تجاويف الروح.وعندما يأتي مساء الوحدة،نتنفس ذلك الغبار فنعطس شوقا،ندمع حنينا،نتألم لأن الفراشة التي أضأت يومنا طارت بعيدا،وتركتنا نحدق في زرقة السماء التي كانت.

لماذا نتعلق بهذا الغبار؟ لماذا نعود لاستنشاقه كلما اشتد بنا الحنين؟! لأن القلب أيها السادة لا يتعلم من العطب.القلب يرى الفراشة الجميلة في كل مرة،وينسى أنها ستموت.يسمع الكلمة الحلوة فيصدقها،وينسى أن الكلمات مثل الفراشات،تموت حين تصطدم بالواقع الجاف.القلب يتشبث بالوعود لأنه يؤمن أن بعض الكلمات يمكنها أن تعمر،أن بعض الفراشات يمكنها أن تتحول إلى أشجار دائمة الخضرة.وهذا الإيمان هو سر عذابه، وهو أيضا سر جماله.

نحن لا نُصاب بخيبة الأمل لأن الكلمات كُذِبَت علينا،بل لأننا حولناها إلى وعود.الكلمة الجميلة ليست وعدا،هي مجرد فراشة حطّت للحظة على كتفك لتخفف عنك ثقل العالم،هي لحظة صفاء عابرة،شعاع ضوء دخل من نافذة مفتوحة ثم رحل.والمشكلة تبدأ حين نصنع من هذا الشعاع قنديلا نريد أن يضيء لنا العمر كله.وحين نظن أن كلمة "صباح الخير" يمكنها أن تصنع صباحاً أبديا.

الغبار الذي يتراكم في الذاكرة ليس عبثيا.إنه مادة بناء هويتنا العاطفية.كل ذرة منه تحكي قصة فراشة مرت،كل ذرة تعلّمنا أن الجمال لا يُمسك، يُعاش.وأن الكلمات الجميلة ليست بيوتا نسكنها، بل هي زوار نكرمهم ثم نودعهم.أن الصباح الجميل ليس صباحا يدوم،بل هو صباح يكفي أن يذكرنا أن الحياة لا تزال قادرة على إنتاج الجمال رغم كل شيء.

لذا،عندما تقول لي صباح الخير غدا،سأعرف أنك تطلق فراشتك نحوي.سأتركها ترفرف قليلا، سأبتسم لجناحيها الملونين،سأستمتع بوجودها. لكنني لن أحاول الإمساك بها،لن أحوّلها إلى وعد، لن أعلقها في ذاكرتي كصورة ثابتة.سأدعها تطير عندما يحين وقت رحيلها،واكتفي بأن الغبار الناعم الذي ستتركه خلفها سيكون كافياً ليذكرني أن الحياة،رغم عطبها،كانت جميلة للحظة.

ربما ليس المطلوب منا أن نمسك الفراشات،بل أن نتعلم كيف نستمتع برفرفتها دون أن تتكسر أجنحتها في قبضاتنا.فبعض الكلمات الجميلة تولد لكي تمر،لا لكي تبقى.وكلما تشبث القلب بغبار الذاكرة،تذكّر أن ما يوجعه ليس رحيل الفراشات، بل إصراره على جعل العابر وطنا.


محمد المحسن



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق