القصيدة..نبض الإنسانية في زمن الثورات
"الخير أيضاً - مثل الشر -نزعة متأصلة في الإنسان.."
-إن القصيدة نبع يُغذي فينا نزعة الإنسانية لما تحمل معانيها من توازن بين قوى الروح والجسد والعقل..(الكاتب)
-إذا الشـــعبُ يومًــا أراد الحيــاة/فــلا بــدّ أن يســتجيب القــدرْ/ولا بــــدَّ لليـــل أن ينجـــلي/ ولا بــــدّ للقيـــد أن ينكســـرْ..(أبو القاسم الشابي)
-إذا كان الشعر يسعى إلى ترسيخ الثقافة والقيم الكونية فقد وجد في ثورة الجماهير العربية التي هي ثورة إنسانية حقيقية ملاذاً في الإعلاء من هذه القيم الكونية الخالدة مقابل اندثار وهشاشة الاستبداد،ما يبرهن على أن الشعر يسير نحو انتعاشة تدريجية لافتة في زمن اشتكى فيه الشعراء من التهميش والإقصاء..(الكاتب)
أن تتداعى الصور الشعرية في ذهن الشاعر،وتخترق سجوف خياله مفصحة عن الوجان وما يمور داخله من أحاسيس ومشاعر،فهذا يعني أن ما ستفرزه شاعريته،سيؤسس لوعي جديد تتأثث به عوالم النص وترتقي فيه اللغة إلى مرتبة الجمال والإبداع..
لكن..
الكتابة الشعرية في وجه من الوجوه هي ضرب من الشقاء والمعاناةتتراوح فيها الذات بين حالتين متنافرتين : قتامة وإنكسار/قوة وإنتصار..
ولو حاولنا استقراء الحالتين لتبيذن لنا أن للأولى دلالات تحيل على الذات المشروخة والمشظاة،حيث تبدو الصور الشعرية متسربلة بالألم،راشحة بالمرارة،جانحة في أبعادها إلى الإغتراب وموغلة في سوداوية ورثناها عن ذاكرة مدانة تحطّ بنا كرها في مواقع مترهلة تكشف عن تشاؤم دفين..
أما الحالة الثانية،فهي تلك التي تتجاوز فيها اللغة تحقيق المصالحة بين الإنسان والفرح ليكونَ التألق في رحاب شعرية مشرقة ومضيئة تنحى صوبَ الجمال وتعانق الأفاق المستقبلية بكل أمل وثبات..
إننا إزاء حالتين متناظرتين تتنافر فيهما الصور وتتعارض..
أفلا يمكن إيجاد مصالحة بينهما تقوم على التناغم بين : ثنائية التوتر بين الذات والموضوع، وبين الكائن والممكن على نحو يقترب فيه النص الإبيداعي من الشمولية،دون أن يشذّ عن الحدود التي رسمناها،أو تلك التي أملاها الواقع..؟
وبسؤال مغاير أقول:
ألا يمكن أن تكون الكتابة الشعرية جامعة توحّد بين قطبين نائين: تداعيات الراهن..وتجليات المدى المنظور..فنكون بذلك قد أسسنا لوعي جديد يبدأ من الذات ويؤسس للكون في تواصل جمالي خلاّق..؟
ألسنا إزاء تغييرات في البنى الإجتماعية والثقافية بالنظر إلى ما تطرحه العولمة من تحديات في ظل احتدام الثقافات وتنافسها إلى حد يحيلنا على وضع تبدو فيه البكائيات والمراثي المألوفة واستهجان الواقع المترهل،من ضروب التقوقع والإنغلاق على الذات..؟
ألا تفرض علينا الثقافة الكونية نصوصا شعرية ذات شمولية فنية مفعَمة بدفء الكلمة ونبل السؤال وجمال الحيرة،تؤسس الذات وتساعد على استجلاء المضمون الأدبي والفني بتفاؤل خلاّق،لنواجهَ عبرها عالما ما فتئ يخيّب الآمال ويثير الفوضى في وجه الوجود..؟!
ألم تكن أشعارنا المحدثة في معظمها تنحو للغرابة والغموض،وما الغرابة إلا دلالة على الغربة عن العالم وانعطاف،يستحيل نوستالجيا -لا يخطو على درب الآتي الجليل،بل يترجرج إلى الماضي في حنين سئمناه..؟
إن هذه الأسئلة التي طرحناها لا نروم من خلالها التأسيس لواقع مغاير لمنطق الأشياء والكون،بقدر ما نهدف إلى صياغة هذا الواقع في نصوص إبداعية ترنو إلى أفق مغاير يتفتّح بإستمرار ويؤسّس دفقا موصولا ضمن تواصل موضوعي،يحقّق عبره المبدع شرط وجوده..
على سبيل الخاتمة:
يرى البعض أن الطبيعة البشرية من أقوى أسباب الصراعات الإقليمية والعالمية, وأن تاريخ الأمم هو تاريخ حروبها،وأن من طبيعة الأمور-من ناحية-أن يهيمن الأقوى على الأضعف ويستغله لصالحه،ومن ناحية أخرى فإن الصراع حتى بين الإخوة مغروس في الجينات البشرية،فقصة مثل قصة الأخوين قابيل وهابيل Cain And Abel -حين لم يكن على الأرض غير أسرتهما -إنما ترمز لوجود جين العنف في الإنسان.ويرون أن الصراع سيبقى ما بقيت البشرية،فلا أمل في التخلص من الاستعلاء العنصري أو التعصب العقائدي, وهما دافعان يبرزان في مقدمة دوافع الصراعات الطائفية والإقليمية،وربما دول الشمال مع دول الجنوب،بل دول قارة مثل أوربا كما حدث في الحربين العالميتين في القرن الماضي.لكن من المعروف أيضاً أنه كما يمكن إيقاظ الأحقاد إلى حد سفك الدماء بين الإخوة حيث تكون هناك تفرقة في المعاملة بينهم على نحو ما حدث في القصة الدينية: قصة يعقوب ويوسف وإخوته،وفي قصة قابيل وهابيل من قبل فإنه يمكن وأد هذه الأحقاد حين تكون المساواة أساس المعاملة.كذلك الأمر بين الشعوب،يمكن بآليات محددة إثارة الفتن بين مختلف طوائفها أو مع جيرانها (وهو ما حدث في التاريخ نتيجة مؤامرات داخلية أو خارجية) ويمكن تغليب ثقافة احترام الاختلاف،وتغليب العوامل التي تجمع على تلك التي تفرّق بدءاً من التعليم والمنابر العقائدية حتى وسائل الإعلام والقنوات الفضائية.فالخير أيضاً-مثل الشر-نزعة متأصلة في الإنسان.
الشعر كان وسيظل دائماً زهرة الحضارات والثورات الإنسانية،وكان زهرة الثورات العربية وبدا أكثر توهُّجاً.ويرى الشاعر الكبير عبد المعطي حجازي أن تدهور الشعر ظهر جلياً قبل الثورة، وبمجرَّد ما انطلقت الثورة،ازدهر الشعر وظهرت مواهب وأسماء،وأحس المصريون بأنهم كلُّهم شعراء لأنهم كلهم أحرار.صاحب الشعر الثورات العربية في تونس ومصر ومنها إلى كل الوطن العربي أكثر من أي جنس فني أدبي آخر.فإذا كان الشعر يسعى إلى ترسيخ الثقافة والقيم الكونية فقد وجد في ثورة الجماهير العربية التي هي ثورة إنسانية حقيقية ملاذاً في الإعلاء من هذه القيم الكونية الخالدة مقابل اندثار وهشاشة الاستبداد،ما يبرهن على أن الشعر يسير نحو انتعاشة تدريجية لافتة في زمن اشتكى فيه الشعراء من التهميش والإقصاء.
إن مصاحبة القصيدة للمظاهرات والثورات العربية في الزمن الراهن،يعني أن الشعر لا ينشأ من فراغ،ولكنه ينشأ من واقع الناس،ومن تجربة إنسانية كبرى ومن الموروث الإنساني الذي يعكس عمق فهمنا للأشياء واستكناه المستقبل،حتى أننا لا يمكن أن نتخيل حياة بدون شعر،أو على حدّ تعبير الشاعر أمجد ناصر لا يمكن تخيّل العالم من دون رواية،ولكن من الصعب تخيّله من دون شعرب.لقد استوعبت الجماهير العربية قيمة الإنسانية الكونية.وعادت القصيدة إلى الواجهة بقوة دون سائر الأجناس الفنية الأدبية،فكانت رفيقة الثورة لأن الشعر أراد كما أرادت الشعوب،أراد الحياة والحرية والكرامة..لقد تراجع الشعر حينما أحسّ مُحبّوه بأن ما يصبو إليه من قيم لا مكان لها في الواقع المعاش لشعوبنا العربية.فانشغلوا في بعض الأحيان بأنماطه الكتابية أكثر من انشغالهم بمعانيه الخالدة.وبزوغ عهد الحرية أعاد الشعراء إلى الواجهة.
في تونس مَهْد الثورة العربية علت حناجر شباب الثورة بقصيدة الشابي "إذا الشـــعبُ يومًــا أراد الحيــاة/فــلا بــدّ أن يســتجيب القــدرْ/ولا بــــدَّ لليـــل أن ينجـــلي/ولا بــــدّ للقيـــد أن ينكســـرْ،ومنها إلى كل البلدان العربية الساعية بحقها إلى الحرية وصوت الكرامة الإنسانية.
لقد أنشد الشابي هذه القصيدة الرائعة التي تحمل خوالج نفسيته الشبابية المليئة بالمعاني الإنسانية الفياضة وهو في عمر الزهور،عمر شباب الثورة الذين لمست رائعته أوتار قلوبهم. وقد آمن هؤلاء الشباب إيمان الشابي العميق بقدرة الشعر في تحقيق إرادته فكانت قصيدته إرادة الحياة التي عبّر بها عن الجراح الإنسانية للأمة العربية أقوى من السلاح ومن الموت أيام الانتفاضة.لقد لبّى الشباب نداء القصيدة ليُثبتوا للعالم بأنهم شعب يرفض العيش بين الحفر ولا يخاف صعود الجبال.لأن الشعر لا يخاف سطوة الطغاة حملت الأمة هذه الجراح لتنزف بها قلوب صانعيها. هذه القصيدة الرائعة بعثت في الأمة العربية عشقاً أبدياً لرسالة الشعر بل وأرغمتنا على البكاء والفرح الطفولي المنبثق من رسالة الشعر نفسه الذي غرس فينا معنى القيم،وهي قيم إذا خلت منها القصيدة تصبح مجرّد ألفاظ منظومة بلا معنى ولا حياة. ما حدث في العالم العربي سيعمل على خلق تصورات ورؤى جديدة للعملية الشعرية،بل وسينمو شعر جديد من بذور هذه الثورة التي استشعرنا بها كُنْه الحياة ومعناها وحقيقة القصيدة في بعدها الإنساني التي ترغمنا على الاعتراف بأن القصيدة حقيقة والحقيقة لا تموت.
ختاما أقول : إن القصيدة نبع يُغذي فينا نزعة الإنسانية لما تحمل معانيها من توازن بين قوى الروح والجسد والعقل.أو لا تزداد سموا بروحها الكونية التي تداعب حواسنا برحيق كلماتها التي تجاوزت كل القوميات والنزعات لتنشغل بالهَمّ الإنساني الواحد؟ وهو ما يشكّل رؤيتنا للحياة والوجود والعالم والأشياء،وهي رؤية منبثقة من ذات الشاعر قد يعجز النقد عن الوصول إليها رغم القدرة التأثيرية للقصيدة،لتبقى سرّاً من أسرار القصيدة،وأسرار القصيدة لا تنتهي.
وتبقى القصيدة،منذ أن شدا بها الإنسان الأول حتى احتضنتها ثورات العرب،ذلك النبع المتدفق الذي يغذي فينا نزعة الإنسانية المتأصلة،حيث يلتقي الخير بالشر،وتتصارع قوى الروح والجسد، لتخرج من هذا المعترك الإبداعي أكثر تألقا وقدرة على التعبير عن الهمّ الإنساني المشترك.لقد أثبتت الثورات العربية،بقصيدة الشابي الخالدة "إذا الشعب يوماً أراد الحياة"،أن الكلمة حين تنبض بصدق المعاناة والأمل تصبح أقوى من سلطان الطغاة،وأخلد من زمن الاستبداد.فما القصيدة إلا سرٌ من أسرار الوجود،وحقيقة من حقائق الحياة التي تتجدد مع كل ثورة،ومع كل إنسان يؤمن بأن الغد أجمل،وبأن الشعر،خلافا لكل الظنون،لا يموت..
محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق