في محراب الكلمة..حين تصلي الروح بوطن ينزف
قراءة في قصيدة الشاعرة الفلسطينية المغتربة الأستاذة عزيزة بشير"صلاة الروح..في محراب الوطن والوجدان"
تصدير :
ليست القصيدة عند مغترب إلا خيمة من نور يُقيمها في فضاءات الروح حين تضيق به الأرض، وبوحا يُنصت لوجع الذاكرة وهي تترنم بأسماء المسافات.هنا،في نص الشاعرة الفلسطينية الكبيرة الأستاذة عزيزة بشير،لا يكون العيد مناسبة عابرة، بل موعدا تتوضأ فيه الكلمات لتدخل محراب الوطن والوجدان،حاملة بين تضاعيفها صلاة لا تخلو من صرخة،ودعاء يفيض من جرح لا يلتئم. إنها كتابة لا تبتغي المجازَ الفارغ،بل تؤسس لشعرية المقاومة حيث يلتقي الوجدان بالعقيدة، والانتماء بالرسالة الإنسانية.
أليومُ آخِرُ صَوْمِنا فتَولّنا
واحفظْنَا ربّي بالسّعادةِ والهَنا
فَرِّحْ قلوبَنا يا إلٰهِي بنَصْرَةٍ
في يومِ عيدِكَ هَنِّنا وَتوَلّنا
إحفظْ بلادَالمسلمينَ مِنَ العِدا
وَاخْرِجْ (نتِنْ وَتْرَمْبَ) مِنْ هذي الدُّنا!
واحفظْ بلاداً تَحْتَضِنّا
وَنَجِّها
إمَاراتِ مِنْ كلِّ اعتِداءٍ ربّنا !
عزيزة بشير
عندما تكتب شاعرة فلسطينية مغتربة،فإن القلم لا يسير على الورق،بل يحبو على جمر الذاكرة، ويرتشف من نبع الحنين الموجع.هي ليست مجرد كلمات تعبر عن مشاعر عابرة،بل هي شهادة ميلاد لحالة وجدانية مركبة،تتشابك فيها خيوط الإيمان بخيوط الانتماء،وتختلط فيها دموع الفرحة بلهيب القضية.
في قصيدة الشاعرة الفلسطينية الكبيرة الأستاذة عزيزة بشير،التي تخطها بمناسبة عيد الفطر المبارك،نقف أمام لوحة شعرية تتجاوز كونها تهنئة عابرة لتصبح صلاة حارة،وصرخة واعية،وتأملا عميقا في معاني العيد على أرض الواقع المتخم بالجراح.
القصيدة تبدأ بنداء روحي خالص،توجه فيه الشاعرة نفسها وقارئها إلى الله في ختام رحلة الصيام، "أليومُ آخِرُ صَوْمِنا فتَولّنا"،وكأنها تطلب من الله أن يكون العيد تتويجا لهذه العبادة بالستر والعناية.هذا المزج بين الفرح "بالسعادة والهنا" وبين الطلب "فَرِّحْ قلوبَنا" يكشف عن حاجة نفسية عميقة للشاعرة،ففرحة المغترب بالعيد ليست كاملة ما لم تمس جذور وجدانه الممتدة إلى وطنه الأول فلسطين،وما لم تشمل أبناء دينها وأمتها في كل مكان.
إن قوة هذه المقدمة تكمن في قدرتها على الانتقال السلس من الذاتي إلى الجمعي،ومن الروحي إلى السياسي.فهي تبدأ بمناجاة فردية خالصة،لتنفتح فجأة على العالم بأسره،داعية الله أن "يحفظ بلاد المسلمين من العدا".هذا الانتقال يرمز إلى أن وجدان الشاعرة ليس مغلقا على نفسه في غربته،بل هو نبض حي يتفاعل مع أحداث الأمة ومتاعبها.إنها تغترب بجسدها،لكن روحها تقيم في قلب المعركة،تقرأ الأخبار،وتتألم للجرح،وتتمنى النصر المبين.
ثم يأتي النداء الأكثر تحديدا وصراحة: "وَاخْرِجْ (نتِنْ وَتْرَمْبَ) مِنْ هذي الدُّنا!". هنا،تتحول القصيدة من الدعاء العام إلى موقف سياسي حاد.إن تسمية "نتنياهو وترامب" بهذه الصراحة ليس مجرد ذكر لأسماء،بل هو تعرية للرمز الشرير في نظرتها.إنه تحويل لشخصيات سياسية إلى رموز للظلم والعدوان،والمطالبة بإخراجهم من الدنيا هي مطاردة للشر في معاقله،ورغبة في تطهير الأرض من أسبابه.هذا الصدق الفني في التعبير،وهذه الجرأة في قول الحق،هو ما يميز شعر المقاومة الحقيقي،إنه لا يكتفي بالشكوى،بل يسمي الفاعل، ويطالب بالقصاص العادل.
وأخيرا،تختم الشاعرة مقطعها الشعري بلفتة إنسانية عميقة تعبر عن مكان وجودها.إنها تشكر الأرض التي احتضنتها،وتدعو لها بالأمان: "واحفظْ بلاداً تَحْتَضِنّا وَنَجِّها / إمَاراتِ مِنْ كلِّ اعتِداءٍ ربّنا!". هذه الإشارة إلى الإمارات العربية المتحدة ليست مجرد ذكر لوطن الإقامة،بل هي اعتراف بالجميل، وتأكيد على أن الإمارات كانت ومازالت ملاذا آمنا للمبدعين والمثقفين والعرب عامة،والفلسطينيين خاصة.إنها تعبر عن حالة المواطن الفلسطيني المنتشر في بقاع الأرض،الذي يحمل قضية وطنه في قلبه،ويحترم ويقدر البلدان التي تمد له يد العون والاحتضان.إنها رسالة حب ووفاء لأرض الكرامة والإنسانية.
-في وداع القصيدة..رحلة أمل من القلب إلى القدس
في ختام هذه الوقفة المتأملة مع قصيدة الأستاذة عزيزة بشير،نجد أنفسنا أمام نموذج فريد للشعر الفلسطيني المعاصر،الذي لا ينفصل عن هموم أمته ولا يتخلى عن فرحه بإيمانه.فالقصيدة،رغم قصرها النسبي،استطاعت أن ترسم خريطة متكاملة للمشاعر: بدءا من مناجاة الله في خلوة العبادة،مرورا بالدعاء للأهل والأمة،وصولا إلى الموقف السياسي الواضح،وانتهاء بشكر المحسن والوفاء للوطن المضيف.
إن ما يجعل هذه القصيدة عميقة ومؤثرة،هو قدرتها على جمع هذه الأقطاب المتباعدة في آنٍ واحد.إنها تذكرنا بأن العيد في وجدان الفلسطيني ليس مجرد زينة وملابس جديدة،بل هو لحظة تأمل في معاني الصبر والنصر،ولحظة استحضار للغائب الحاضر (الوطن المحتل)،ولحظة شكر للحاضر المعين (الإمارات الحبيبة).
الشاعرة عزيزة بشير،من خلال هذه الكلمات،تؤكد أن الاغتراب لم يضعف صوتها،بل زاده عمقا ورهافة.هي تغترب لتكتب للوطن بحرية أكبر، وتشتاق لتدعو له بإخلاص أعمق.هي تقف على أعتاب العيد،حاملة في إحدى يديها طقوس الفرح الديني،وفي الأخرى جراحات شعبها وأحلامه.إنها تذوب في الصلاة،وتنفعل بالقضية،وتفيض حبا لمن أحسن إليها.
وتبقى هذه القصيدة شاهدة على أن الشعر الفلسطيني قادر على التجدد،قادر على احتواء كل الأصوات،من صوت الرصاص إلى صوت الدعاء، ومن زنازين السجون إلى فضاءات المنافي الرحبة. هي صوت الضمير الحي،الذي يرفض أن ينام قرير العين ما دامت القدس تنزف،وما دام الاحتلال جاثما على صدر الأمة.
حفظ الله الشاعرة الفذة الأستاذة عزيزة بشير، وحفظ الإمارات العربية المتحدة درعا للعروبة والإنسانية،ونصر الله فلسطين وأهلها،وأعاد أمجادها بعزة وكرامة.وكل عام والأمة الإسلامية والعربية بخير،وكل عام وفلسطين أقرب إلى الحرية.
محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق