الجمعة، 6 مارس 2026

عاشق السافرة: متاهات الرغبة..واحتفاء التمرد قراءة في قصيدة الشاعرة التونسية السامقة الأستاذة هادية آمنة بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 عاشق السافرة: متاهات الرغبة..واحتفاء التمرد قراءة في قصيدة الشاعرة التونسية السامقة الأستاذة هادية آمنة

(تأملات في أنثى..تكسر تابوت الصمت)


تقديم :

في قصيدة الشاعرة والكاتبة  التونسية الأستاذة  هادية آمنة أكثر من مجرد امرأة تنكشف أمام العيون،إنها روح تتمرد على أغلال الموروث،وجسد يتحول إلى لغة، وحلم يُولد من رحم الانكسار.وعلى مذبح القصيدة،تُنحر الأنثى لتولد أيقونة،وتُصلب الرغبة لتبعث أسطورة.هكذا يصبح الشعر ملاذها الأخير، حيث تتحول الخيبة إلى ضوء،والهزيمة إلى نشيد، وتكتب الأنثى تاريخها بلغة لا تعترف إلا بالحرية. إنها كتابة تنبض من ثقوب الذاكرة المتعبة،لتخبرنا أن الجرح حين يصير قصيدة،يتحول إلى بداية جديدة..


تظل القصيدة الحديثة مساحة مفتوحة على الأسئلة،حيث تنفلت اللغة من قبضة المألوف لتصطاد دهشة المعنى في لحظات تشبه الاحتفالات السرية.في قصيدتها " عاشق السافرة"، تقتحم الشاعرة التونسية هادية آمنة عوالم الذاكرة المتعبة،لتلملم شظايا الحلم والغياب في لوحات فنية تمتزج فيها ألوان السحر بالتمرد، وتتشكل فيها الرموز ككائنات حية تتنفس بين السطور.

تقدم هادية في هذه القصيدة "عاشق السافرة" نموذجا للكتابة الأنثوية التي تكسر أفق التوقع، حيث تتحول اللغة إلى كيان متمرد يتملص من الثبات،ويختار لنفسه مسارب قلقة بين التهويمات الغنائية والسرد الانتقائي.إنها تكتب من ثقوب ذاكرة موغلة في التعب،ذاكرة أثقلتها الخيبات والهزائم،لكنها تنبض برغبة عارمة في استعادة براءة الكلمة الأولى،كأنها تفتش عن سر الوجود في متاهات النص.

تقف الشاعرة على تخوم زمن شعري خاص،زمن خام غير مكتمل،تغمره الغرابة والقلق،تتوخى فيه الجوهر الشعري المبني على الهمس والتلمس والحواس.إنه زمن يحاول أن يقرأ استبطانات اللغة،حيث يصبح الشعر،على حد تعبير جان كوكتو،ضرورة لاستحضار الحلم والرؤيا والاحتفال.وهذا ما تمارسه هادية بوعي حداثي،إذ تخلق من النص فضاء يتسع للتأويلات المتعددة، وتجعل من قصيدتها مرآة تعكس اضطرابات الذات وانشغالاتها الوجودية.

-فيض الصور وإيقاع التمرد:


تقول هادية آمنة في نصها:


النّهر مُشربٌ بحُمرة الغروب

تُحلّقُ على صفحاته غربان الخطوب

تَغتسِلُ فيه من آسنات الذنوب

ينفلتُ عاريّا من الأعماق

غائصةٌ قدماه في يمّ الأشواق

يلُفُّ جسده بتُراب الأرض

متمتماً "داومتُ على أداء الفرض"

داخلاً في شرنقة من طين

آملاً لناره النزقة أن تستكين

ساهماً مُحدّقاً في شُعاع الشمس

محرّماً على ذاته أبجديّة اللّمس

واقفاً هو مكتوم الأنفاس

يقتُل العدم في لجّة الإحساس


المسافة بعيدة والزّمن شحيح

تنفلتُ إمرأة تُعانق الرّيح

كساؤها شعور وعطرها نور

تتقافزُ ..تتعابثُ وداعةً

تلهجُ بِوقعها المُنغّم التسبيح

روحه المرتدة من بصره

يعتصرُ العمر من أجلها فحيحاً يتلوه فحيح

تخطو بمَلكة الأنثى على أرضه الرّخوة

وقد أفنت رائحة الذكورة فيه زبداً لبحرٍ تعلوه رغوة

الجحيم لا يطفئه حجاب ولا عريّ

ما ذنبها ولا عما ذنبها خلق بديع جاءت إلى الدنياء سافرة

دقّت جِيادُ العرب حرباً عليها..عاصفة عاتيّة

بقيودهم هي كافرة

مُروّعة هي شاهقة النّفور

خلقً مُنعتق من ثورة الشكّ تثور

لاسعة نظرتها كسيخ الحديد

يُديم البصر ثمّ يُشيح

تتمرّغ عيونه على صدرها النافر الجسور

يتلمّظ عطشاً إليها..مُستعصيّة هي كسرّ دفين

تتساند الرغبة فيه براكين..

من جبل الجليد الكامن فيه اللعين


دككتِ حيطاني ذاتي المتداعيّة

"لا أحبّك..لا أحبّك يا إمرأة فأنت ضلعي

بل أشتهيك شهوة راغيّة"

لا تتعجّبي من طمعي الأزلي للنساء

أقوال السّلف تقوى والحوريات هل كنّ استثناء؟؟

تهادت إليه لحناً قدسيّا ألجم عواء الريح القريب البعيد

سافرة نطقت الحرف تسابيح فباركها ربّ القصيد

حفنة من ماء من كفّها عليه تنثر

تنقلُ النّهر طقوساً إليه

أسطورة النشء تسأل

سافرة هي على المذبح تُنحر..


هذا النص المكثف يفتح نوافذ متعددة على عوالم الأنثى المتمردة،حيث تتحول السافرة من حالة اتهام اجتماعي إلى أيقونة مقدسة على مذبح الشعر.إنها ليست مجرد امرأة تكشف وجهها،بل هي روح تنخلع من أغلال الموروث،لتعلن ولادة جديدة في فضاء اللغة.

-بنية النص: بين التجريد والترميز:

ما يميز قصيدة "عاشق السافرة" هو ذلك المزاج البصري الذي يخلق توترا خصبا بين المتخيل والمحسوس.فالشاعرة لا تكتفي بسرد الحكاية،بل ترسم لوحة تتشابك فيها العناصر الطبيعية (النهر، الغروب،الشمس،التراب) مع العناصر الإنسانية (الأنثى،العاشق،الجسد،الرغبة) في علاقة جدلية تفضي إلى صوغ أسطوري جديد.

والرموز هنا ليست زخرفية،بل تحمل دلالات وجودية عميقة.فالنهر المشرب بحمرة الغروب يحيل إلى دم الحياة الممزوج بفجيعة النهايات، وغربان الخطوب المحلقة تذكرنا بثقل المصائر.ثم تتحول المشاهد لتكشف عن صراع داخلي بين الرغبة والتكليف،بين الانعتاق والانغلاق،بين شرنقة الطين ونار الشوق النزقة.

الأنثى في النص تظهر كقوة طبيعية عارمة: "تخطو بمَلكة الأنثى على أرضه الرّخوة"،إنها تمشي بوصفها ملكة،لكن الأرض التي تطأها هي أرض الذكورة التي أفنت رائحتها،فصارت زبدا وزغبا. هذا التحول الذكي يحول الأنثى من موضوع للرغبة إلى فاعل في تاريخ الوجود.

-السافرة: أيقونة التمرد والقداسة:

تختار الشاعرة مفردة "سافرة" لتكون محور النص، وهذه المفردة تحمل في الثقافة العربية إيحاءات متعددة: من التحرر والانكشاف،إلى التهمة والفضيحة.لكن هادية تعيد تشكيل هذه المفردة في سياق شعري يخلع عنها ثوب الإدانة،ويمنحها هالة من القداسة والجمال."سافرة نطقت الحرف تسابيح فباركها ربّ القصيد".. هنا يصبح الكشف لغة روحية،والأنثى كائنا يتجاوز حدود المألوف ليصل إلى مصاف المقدس.إنها تنطق الحرف كما ينطق المؤمن تسبيحه، وتتلقى البركة من إلاه الشعر،مما يحولها من كيان جسدي إلى كيان لغوي روحي.

المفارقة أن هذا الكشف يقود إلى الذبح: "سافرة هي على المذبح تُنحر". إنها ضحية التابوهات المجتمعية،لكنها في الوقت نفسه تظل أيقونة تتكرس في الوجدان الشعري.وهذا التناقض يخلق مساحة درامية عالية التوتر،تجعل القارئ يتأرجح بين الإعجاب والشفقة،بين الانبهار والرثاء.

-الأسطورة والتناص في النسيج الشعري:

تحفل القصيدة بتناصات خفية مع التراث العربي والإنساني. فـ"جِيادُ العرب"التي تدق حربا عليها، تحيل إلى تاريخ من المواجهة بين الأنثى المتحررة والمجتمع الذكوري.كما أن إشارة "الحوريات" تفتح بابا للمقارنة بين الجنة الموعودة في الخطاب الديني،والجنة التي تبحث عنها الأنثى هنا على الأرض.

الأكثر إثارة هو استدعاء أسطورة الخلق: "خلق بديع جاءت إلى الدنياء سافرة"،وكأن الأنثى السافرة هي استثناء في الخلق،أو هي نموذج مختلف يتحدى التصورات التقليدية عن أصل الوجود.هذا الترميز يمنح النص بعدا فلسفيا، ويدفع القارئ إلى التفكير في ماهية الحرية والانكشاف في علاقتها بالكينونة.

-لغة الجسد وانزياحات الرغبة:

الجسد في قصيدة هادية ليس مجرد وعاء للرغبة، بل هو لغة بحد ذاتها. "لاسعة نظرتها كسيخ الحديد" تحول النظرة إلى أداة حادة تخترق،بينما "تتمرّغ عيونه على صدرها النافر" يجعل العيون كائنات حية تبحث عن ملاذها.هذه الانزياحات تخلق حساسية جديدة في التعامل مع الممنوع، وتحوله إلى مادة جمالية قابلة للكتابة.

والرغبة هنا ليست أحادية الاتجاه،بل هي متبادلة ومتصارعة.العاشق يعلن: "لا أحبّك..لا أحبّك يا إمرأة فأنت ضلعي بل أشتهيك شهوة راغيّة"،وهذا التمييز بين الحب والشهوة يكشف عن وعي بتركيبية العلاقة الإنسانية،حيث تتداخل المشاعر وتتصارع.

-فضاء النص: بين الاحتفال والتراجيديا:

تستطيع الشاعرة أن تحافظ على توازن دقيق بين الاحتفال والتراجيديا.فالنص يحتفل بالأنثى وجسدها ورغبتها،لكنه في الوقت نفسه يرصد آلامها وانكساراتها. "الزمن شحيح"،"العمر يعتصر"، "الجحيم لا يطفئه حجاب ولا عريّ"..كلها عبارات تراجيدية تذكرنا بأن ثمن الحرية باهظ،وأن السافرة تدفعه باستمرار.

لكن التراجيديا هنا ليست يأسا،بل هي جزء من طقس احتفالي أكبر،حيث تتحول المعاناة إلى مادة للإبداع،والجرح إلى مصدر للنور.هذا المزيج يجعل قصيدة هادية نموذجا للشعر الذي لا يكتفي بالوصف،بل يخلق عالما خاصا به،عالما تتصارع فيه الأضداد لتنتج معنى جديدا.

-آفاق جديدة: نحو قراءة وجودية:

يمكن قراءة "عاشق السافرة" كمحاولة وجودية لاستكشاف الذات في علاقتها مع الآخر والعالم. السافرة هنا ليست مجرد امرأة،بل هي رمز للروح الإنسانية الباحثة عن حريتها،المتطلعة إلى ما وراء الحدود،الرافضة للقوالب الجاهزة.إنها كما وصفها النص: "خلقً مُنعتق من ثورة الشكّ تثور".

اللافت أن هذه الحرية تأتي من خلال الاعتراف بالشك،ليس كعجز،بل كقوة دافعة للتساؤل والتمرد.الشك هنا ليس نقيضا للإيمان،بل هو سبيل لبلورة إيمان جديد،إيمان بالذات وبقدرتها على تجاوز المألوف.وهذا ما يمنح النص عمقه الفلسفي، ويجعله أكثر من مجرد قصيدة عاطفية.

-البناء اللغوي: بين التكثيف والانسياب:

تتنوع تقنيات الشاعرة والكاتبة القديرة الأستاذة هادية آمنة اللغوية بين التكثيف الشعري والانسياب السردي.ففي بعض المقاطع،نجد صورا مكثفة تعبر عن لحظة تأمل عميقة: "روحه المرتدة من بصره" أو "ينفلتُ عاريّا من الأعماق".وفي مقاطع أخرى،تنفتح اللغة على سردية حلمية تسمح بتوسع المعنى واتساعه.

هذا التنوع الإيقاعي يخلق توترا بنيويا يمنع الملل، ويحفز القارئ على التنقل بين مستويات متعددة من القراءة.والشاعرة لا تخشى البياض والفراغات، بل تستثمرها كمساحات للتأويل،وتجعل من القصيدة فضاء مفتوحا على الاحتمالات.

-في الختام: أنثى تكتب تاريخها بلغة الغد:

تظل هادية آمنة وفية لرؤيتها الشعرية التي تمزج بين الحداثة والانتماء،بين التمرد والجذور.إنها تكتب من مدينة قفصة التونسية،لكن قصائدها تخاطب الإنسان أينما كان،لأنها تعالج أسئلة كونية عن الحرية والحب والموت.

في "عاشق السافرة"،تقدم الشاعرة نموذجا للكتابة الأنثوية التي لا تكتفي بالشكوى،بل تخلق عالما موازيا،عالما تتحقق فيه المستحيلات،وتنتصر فيه الأنثى على قيودها،ليس بالنصر السهل،بل بالتحول إلى أسطورة تستحق التأمل.

ربما يكون أجمل ما في هذه التجربة هو ذلك الإصرار على الخروج إلى الاتساع،إلى حيث يلتقي الحلم بالمعنى،والجسد بالروح،والرغبة بالقداسة. إنه شعر يرفض الانغلاق،ويدعو القارئ لأن يكون شريكا في صنع الدلالة،تماما كما تصنع الأنثى السافرة مصيرها على مذبح القصيدة.

وتظل قصيدة "عاشق السافرة" للشاعرة التونسية القديرة الأستاذة هادية آمنة شاهدة على قدرة الشعر على استنطاق المسكوت عنه،وتحويل الأنثى من جسد يُحاكم إلى أيقونة تُتأمل وتُتلو كالتسبيح.لقد استطاعت الشاعرة،بوعي حداثي وجرأة فنية،أن تخلخَل المألوف اللغوي والاجتماعي معا،فجعلت من "السافرة" رمزا للروح الإنسانية الباحثة عن خلاصها في متاهات الذاكرة المتعبة.وليس هذا النص مجرد قصيدة عاطفية، بل هو بيان وجودي يرسم ملامح أنثى جديدة، تكتب تاريخها بلغة الغد،وتنتصر على قيودها لا بالنصر السهل،بل بالتحول إلى أسطورة تستحق التأمل.وفي هذه القراءة المغايرة،التي تعتمد مناهج النقد الحديث وتسلط الضوء على المبنى والمعنى،نكون قد اقتربنا من عالم هادية آمنة الشعري،عالم تتصارع فيه الأضداد لتنتج معنى أكثر اتساعا،حيث تظل القصيدة مفتوحة على التأويل،كما تظل الأنثى حرة في اختلافها،مقدسة في تمرّدها.

وتظل قصيدة "عاشق السافرة" للشاعرة التونسية القديرة الأستاذة هادية آمنة شاهدة على قدرة الشعر على استنطاق المسكوت عنه،وتحويل الأنثى من جسد يُحاكم إلى أيقونة تُتأمل وتُتلو كالتسبيح.لقد استطاعت الشاعرة،بوعي حداثي وجرأة فنية،أن تخلخَل المألوف اللغوي والاجتماعي معا،فجعلت من "السافرة" رمزا للروح الإنسانية الباحثة عن خلاصها في متاهات الذاكرة المتعبة.وليس هذا النص مجرد قصيدة عاطفية، بل هو بيان وجودي يرسم ملامح أنثى جديدة، تكتب تاريخها بلغة الغد،وتنتصر على قيودها لا بالنصر السهل،بل بالتحول إلى أسطورة تستحق التأمل.وفي هذه القراءة المغايرة،التي تعتمد مناهج النقد الحديث وتسلط الضوء على المبنى والمعنى،نكون قد اقتربنا من عالم هادية آمنة الشعري،عالم تتصارع فيه الأضداد لتنتج معنى أكثر اتساعا،حيث تظل القصيدة مفتوحة على التأويل،كما تظل الأنثى حرة في اختلافها،مقدسة في تمرّدها.


محمد المحسن


*ملحوظة : نشرت هذه المقاربة النقدية في عدد من الصحف التونسية والعربية،وأعيدت صياغتها هنا عبر قراءة مغايرة اعتمدت مناهج النقد الحديث،وسُلطت على المبنى والمعنى قصد الإفادة.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق