الثلاثاء، 3 مارس 2026

مسرح العمر و"ديقاج" الذاكرة:.لماذا يغيب مبدعونا ونحن على قيد الحياة..؟! بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 مسرح العمر و"ديقاج" الذاكرة:.لماذا يغيب مبدعونا ونحن على قيد الحياة..؟!

في زحمة الأضواء المتلاحقة،وصخب المواسم الفنية العابرة،نقف أحيانا على مشهدٍ مؤلم ومتناقض: أن ترى فارسا على خشبة الحياة،أفنى عمره في تشييد صروح الفرجة والإبداع،ثم يأتي عليه يوم يجد نفسه مُلقىً في "كواليس" النسيان، في صمتٍ قاس لا يليق إلا بمن لم نعرف لهم قيمة يوما.

إنه السؤال الذي يفرض نفسه بحرقة اليوم: لماذا يتنكر المشهد المسرحي للفنان التونسي الكبير عبد القادر مقداد؟ أهكذا يكون الوداع؟ أهكذا تُختزل عقود من العطاء في مشهد "ديقاج" قاس من مسرح الحياة؟!

ليس "الديقاج"هنا مجرد إجراء تقني لإزالة منصة أو لوحة،بل هو استعارة موجعة لموقف إنساني يليق بنا أن نخجل منه.

الفنان عبد القادر مقداد لم يمت.هو هنا،بين ظهرانينا،يحمل في جعبته تاريخا من التعب والعرق والمواقف الفنية الخالدة.إنه واحد من أولئك الذين جعلوا من الخشبة وطنا،ومن الكلمة نورا.أفنى سنين عمره في فرقة قفصة المسرحية، تلك المدرسة التي تخرج فيها أجيال،وتعلمت على يديها معنى الالتزام،وجمال الرسالة.كان يبني لا ليرى اسمه مضيئا في البرواز،بل ليضيء عتمة المسرح ويوقظ فينا حس الجمال.

لكن يبدو أن ساحة الإبداع،للأسف،تعاني من "سكيزوفرينيا" أخلاقية مريعة.نحن بارعون في رثاء المبدعين بعد رحيلهم،ننعيهم ونبكيهم ونقيم لهم التماثيل،لكننا ونحن على قيد الحياة معهم، نغيبهم،ننساهم،نمرّ من أمامهم كأنهم غرباء.

الفنان القدير لا يُكرم فقط بحفلات التكريم الرسمية،بل يُكرم بأن يظل حيا في وجداننا،بأن تكون منصات الإبداع مفتوحة له،بأن نستشير خبرته،بأن نستلهم من صمته وعمقه قبل كلماته.

لماذا هذا الجفاء؟ هل هو قصر نظر يجعلنا نستهين بالحاضر ولا نقدّر قيمة من نراه يومياً؟ أم هو انشغالنا بالوجوه الجديدة على حساب من أسسوا للجديد؟!

 ربما هو شعور بالذنب الجماعي تجاه من أعطى بلا حدود،فلم نعد نعرف كيف نرد الجميل سوى بالصمت والتجاهل.

إن غياب عبد القادر مقداد عن الأضواء ليس قدرا محتوما،بل هو مرآة لثقافتنا في التعامل مع رموزنا.إنه اختبار حقيقي لإنسانيتنا ووفائنا.فالفن الحقيقي لا يُصنع في سنة ولا عامين،بل يُبنى عبر عقود من التعب والمعاناة والصبر.والفنان الكبير ليس مجرد ممثل يؤدي دورا،بل هو ذاكرة الأمة الفنية،وهو من يستحق منا أن نعيد ترميم "ديكور" حياته،لا أن نزيحه إلى الخلف.

اللهم احفظ لنا مبدعينا أحياء في قلوبنا وعقولنا، وألهمنا ألا ننتظر حتى يرحلوا لنتذكر أنهم كانوا هنا.فالوفاء الحقيقي أن نضيء شموعهم وهم بيننا،وأن نقول لهم بصوت عالٍ: "أنتم من بنيتم هذا الصرح،ولن نسمح للنسيان أن يهدمه".

وهكذا،يبقى عبد القادر مقداد،ابن فرقة قفصة وأحد حراس الهوية المسرحية التونسية،شاهدا على زمن جميل كان فيه الفنُّ قضية والخشبةُ حياة.لا نطلب له التكريمَ البروتوكولي الذي يُنسى بانتهاء الحفل،بل نطلب له مكانا في وجداننا الحيّ،وأن تظلّ تجربته نبعا يُستقى منه،لا مجرد عنوان في ركن منسي من ذاكرة الإبداع.فالوفاء لفنان كبير مثل صاحب "عمار بالزور" و"البرني والعطراء" لا يكون بانتظار رحيله لنبكيه،بل بأن نظلّ نراه نصب أعيننا،نستشيره،نكرم عطاءه المتجدد،ونقول له وهو بيننا: أنت جزء من هذا الخشبة التي لا تُروى إلا بعرق المخلصين.

 رحم الله زمن العطاء،وحفظ لنا مبدعينا أحياء في قلوبنا،قبل أن تتحول أسماؤهم إلى نقوش على لوحات التكريم بعد الغياب..!


محمد المحسن



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق