هندسة الزمن المعلّق:
قراءة-عجولة-في فردوس-الشاعرة التونسية أ-سعيدة الفرشيشي من خلال قصيدتها "الجنة الضائعه"
هناك حيث تنسج الشاعرة التونسية القديرة الأستاذة سعيدة الفرشيشي مملكتها على وقع الساعات،لا تخضع لمنطق الزمن الخطي المتعاقب، بل تعيد تشكيله وفق ما تمليه الذاكرة والرغبة،في أسلوب إبداعي مذهل يجعل من الزمن مادة قابلة للطي والتمدد،وكأنها تمسك بخيوط الساعة بيد نحّاتة تعيد صياغة الكون وفق رغبة القلب.إن قدرة الفرشيشي على توظيف التفصيلات اليومية الصغيرة (كصفاء الضوء في غرفة،أو دقات ساعة) لتكون بوابات إلى أسئلة كبرى حول الوجود والفقد والخلود،هي ما يمنح نصوصها هذه الحدة الشعورية الفريدة.
"الجنة الضائعة" ليست مجرد عنوان في ديوانها، إنها،في هندستها الخاصة،حالة وجودية تمزج بين الفقدان والانتظار،بين النهار الذي يصبغ الغرفة بشفيف الضياء،وبين الساعات التي تتوالد في النص ككائنات حية مفترسة تأكل الأيام الجائعة. إنها قصيدة المعلقات الزمنية،حيث يتلبس الحلم باليقظة،ويتحول العاشق إلى أرض زرعت فيها الحقيقة بعد شك وظن.فالفرشيشي هنا تنسج فضاء شعريا هشا وجبارا في آن،تصافح فيه الميتافيزيقي عبر حميمية الجسد،وتجعل من انتظار الحبيب تأملا في الخلود والفردوس الآتي، بأسلوب لا يعرف التكرار،بل يبتكر لكل لحظة لغتها الخاصة.
تتقدّم الشاعرة بقصيدتها التي تقول فيها:
الجنة الضائعه
هي الساعة التاسعه
تدق لتأكل أيامي الجائعه
هي الشمس قد لونت بشفيف الضيا غرفتي الرائعه
أخاطفة أنا حلمين في لحظتي اليانعه
فحلم أمارس فيه انذلاقي عصفورة حرة وادعه
وحلم ستحملني الشمس فيه نهاراً الى جنتي الضائعه
هي الساعة العاشره..
أنا لست دارية أين أمضي ولكنني ما فقدت بدربي الأمل
فخذني اليك حبيبي لعلي اذا انت راقبتني سوف يوماً نصل
وأحرى بنا ان نطول الفراديس في الآخره....
هي الساعة الصفر....
لا ترحل الآن عني
فأنت الذي قد زرعت الحقيقة في خلدي بعد شكي وظني
أنت الذي عشت منه كما عاش مني
أصارحك الآن أني...
أصير كلاً شيئ ان أنت يوماً تخليت عني
غداً سوف نكمل فصل الروايه
فَنَم يا حبيبي قرير العيون
فقلبي الذي بين جنبيك ينبض لا لن يهون
فقد صدق الوعد كي يلتقيك بأحلى نهايه
في هذا النص،تثبت سعيدة الفرشيشي أن الجنة ليست مكانا يُستعاد،بل وعدٌ يُبنى بالكلمة.إنها تتعامل مع الزمن وكأنه مادة خام قابلة للتشكيل: الساعة التاسعة تفتتح الألم بتجسيدها "لحظة اليانعة" المنقسمة بين حلم العصفورة وحلم الشمس،والعاشرة تعلن التيه البهي الذي لا يفقد الأمل،بل يطاول الفراديس،والساعة الصفر تتوقف فيها الذات عند لحظة الخشية الأكثر حضورا، حيث تتحول الرغبة إلى وجود: "أصير كل شيء إن أنت يوماً تخليت عني". إن هذه اللحظة الصفرية هي لحظة التعريف الجوهري للعاشق، حيث لا وجود للذات خارج مرآة الآخر.
القصيدة في مجملها ليست رثاء لفردوس مفقود، بل هي إعلان عن فردوس في طور التكوين،وهي هنا تبرهن على قدرتها المذهلة على جعل اللغة معادلا للخلق.ففي الساعة "الصفر" التي يموت فيها الزمن الخطي،تولد لحظة التوحد الكلي.وفي الوعد بـ"غداً" الذي سيكمل الرواية،نرى كيف أن الانتظار عند الفرشيشي ليس فراغا،بل هو ذات القصيدة نفسها.إنها كتابة الفجيعة المحتملة التي تتحول إلى نشيد للثقة،حيث يلتقي الوعد بنهاية "أحلى" لأن الحب قد صار هو الزمن نفسه،والانتظار قد صار هو الخلود.
بهذا،تخرج الشاعرة التونسية الكبيرة أ-سعيدة الفرشيشي الغائب من دائرة الفقد إلى دائرة الحضور الشعري المطلق.إنها تنتصر على الزمن ليس بهروبه،بل بوعيه العميق،وبتفكيكه إلى لحظات تتحكم فيها هي بإرادة الحب والأمل. "الجنة الضائعة" ليست في النهاية ضائعة لأنها فُقدت،بل لأنها انتظرت من يأتي بها لغة.وهنا تكمن المعجزة: أن القصيدة نفسها تصير هي الجنة التي لا تضيع،تلك التي لا تبنى من سعف الجنان،بل من سعف الكلمات التي تمسك بساعات العمر قبل أن تفلت.
عندما تقرأ سعيدة الفرشيشي،تشعر أن الزمن ليس عدوا،بل هو قماش ناعم بيدها تنسج منه فردوسا خاصا،فردوسا يبدأ من دقات الساعة التاسعة ولا ينتهي عند حدود الصفر،بل يمتد في "غداً" الأبدي الذي وعدت به.إنها حقا شاعرة لا تكتب القصائد بقدر ما تبني عوالم،ولا تصف الانتظار بقدر ما تجعله هو ذاته الخلود.
وأود هنا،بمنأى عن المجاملة أو المحاباة التي تفسد طبيعة القراءة النقدية،أن أشير بصفتي قارئا إلى أن ما يثير الإعجاب حقا في تجربة الشاعرة التونسية الفذة سعيدة الفرشيشي هو قدرتها الفائقة على انتهاك المألوف في بناء الصورة الشعرية،فهي لا تصف الانتظار،بل تجعله كائنا حيا ينمو ويتحول عبر الساعات.إنها شاعرة تمتلك ناصية اللغة السرية،حيث تنتقل بين الذاتي والأسطوري بسلاسة فائقة،وتستطيع أن تجعل من تفاصيل الساعة اليومية (التاسعة،العاشرة،الصفر) أسطورة خاصة للحب والفقد.أما في مقاربتي النقدية لهذا النص،فقد حاولت قدر الإمكان أن أكون أمينا للنص وحده،لا للعلاقة الشخصية أو للوجاهة الاجتماعية،لأن النقد الحقيقي يبدأ حيث تنتهي المجاملة،وهذه القصيدة بالذات تستحق هذه الأمانة،فهي من النصوص التي تفرض على من يقرأها أن يخلع رداء المجاملات ويتواضع أمام دهشتها التركيبية وجمالياتها الهندسية المذهلة.
محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق