تأمّلات في قصيدة "تجمّلتُ بالحَرف" للدكتورة والباحثة التونسية آمال بوحرب
(قراءة في أنطولوجيا الأنوثة الشعريّة)
تجمّلتُ بالحَرف
تجمّلتُ بالحَرفِ،
لا بالوردِ والعِطرِ،
ولا بالمساحيقِ المُستعارةِ.
أو بصمت الحيارى
وشدَدتُ خصري
ببيتٍ من الشِّعر،
وكم هو جميل أن يكون الشعر اختصارا
وإن تسارعنَ الخُطى مرورا
أسرجتُ أنا وزني،
وخيّلتُ المعنى صهيلًا
يدور في فلك القوافي مدارا
وإن فُتنّ بالأساورِ والذّهب،
أعلنتُ مجدي
على صدرِ قصيدتي
تاجًا يَسُوقُ البدور.
كما يسوق الخمر ُ تلابيب السكارى
تركتُ لهنّ اللّمعانَ الكَذُوب،
فأنا في ليلِ القصيدةِ
قمر لا يغيبُ،
ان كان ليل او نهارا
تجمّلتُ بالحكمة،
وصغتُ من الألمِ أغنية،
وسكبتُ من روحي شعاعا
فصاغ الوجد منه منارا
وإن التوى خصرُهُنّ للغوايةِ،
انحنى لي المعنى،
وأهداني المجازَ
ولحنا للعبور
حتى تخلّيتُ لهنّ عن السِّحرِ والنّظرِ،
وحفظتُ لحرفي النقاء،
وكان لفظي
في محراب الشوق طهورَا…
أنا شاعرةُ العِشقِ،
لا تُغريني المدينةُ،
ولا يدهشني زخرفُ العُمرِ
فكل تواضع في مقام الفخر انتصارا
لي في كلّ قافية عصاً
تشُقُّ المدى،
وتُخرجُ للعطاشِ شوقا
تغنى به خدر العذارى
تجمّلتُ،
لا بزخرف الثياب،
ولا بندى الشباب
بل صفق الفجر تغريدا
فكان الصدق قرارا
تأتي هذه القصيدة للدكتورة والباحثة التونسية آمال بوحرب لتؤسّس لـ "أنطولوجيا شعرية" جديدة،تُعلن فيها الشاعرة تمردها على الأنوثة الجاهزة،الأنوثة التي تختزل نفسها في الزينة الزائلة والزخرف البائد.إنها قصيدة تُقيم مقارنة وجودية بين "أنا" الشاعرة و "هنّ" الأخريات، لتخرج من هذه الموازنة بانتصار ساحق للكلمة على الجسد،وللجوهر على المظهر.
تبدأ الشاعرة بفعل "تجمّلتُ"،وهو فعل اختياريّ، يحمل معنى التكلّف والزينة،لكنها سرعان ما تحوّل وجهته من الجسد إلى الرُّوح،ومن المحسوس إلى المجرّد. تقول:
تجمّلتُ بالحَرفِ،لا بالوردِ والعِطرِ،ولا بالمساحيقِ المُستعارةِ.
هنا،تصبح الحروف هي العطر،والكلمات هي الزينة. إنها تخوض معركة وجودية مع الأنوثة النمطية، فتستبدل شدّ الخصر بالمشدّات،بشدّه "ببيتٍ من الشِّعر"،وتستبدل الأساور بالقصيدة تاجا على الرأس.هذا التاج ليس للزينة،بل هو تاج المجد والخلود،الذي "يَسُوقُ البدور" بقوّة،في مشهد استعاريّ مهيب:
"أعلنتُ مجدي على صدرِ قصيدتي تاجًا يَسُوقُ البدور.كما يسوق الخمرُ تلابيب السكارى"
الشاعرة لا ترفض الأنوثة،بل ترفض أن تكون أسيرة "اللّمعانِ الكَذُوب".تترك هذا البريق الزائف للآخرات،وتختار لنفسها موقعا كونيا في فضاء القصيدة،حيث الثبات والاستمرار.تقول بثقة المؤمن برسالته:
"تركتُ لهنّ اللّمعانَ الكَذُوب،فأنا في ليلِ القصيدةِ قمر لا يغيبُ،إن كان ليل او نهارا.."
إنها قصيدة تنتصر للفكرة،وتؤكّد أن الشاعرة الحقيقية هي من تصوغ من "الألمِ أغنية" ومن "الروح شعاعاً"،محوّلة معاناتها إلى نور ومنارة للآخرين.والنصّ بأكمله هو بيان شعري لاستقلالية الذات المبدعة،التي وجدت في "الحرف" ملاذها الآمن وخلودها الأبدي.
- الشعرُ عصا موسى..وانتصار الجوهر الخالد:
تتجاوز قصيدة "تجمّلتُ بالحَرف" للدكتورة آمال بوحرب حدود التجربة الذاتية الضيقة،لتتحوّل إلى رؤية شعرية كونية عن علاقة المبدع بلغته، والمرأة بهويتها.إنها مرثية للزائف ومديح للخالد. وما تقدمه الشاعرة ليس مجرد اعتذار عن الأنوثة التقليدية،بل هو إعلان عن ولادة أنموذج جديد للأنثى: الأنثى-الشاعرة،الأنثى-النصّ.
في المشهد الأخير من القصيدة،تبلغ الذروة حين تتحوّل القصيدة إلى أداة سحريّة تمتلك "عصا" موسى،القادرة على "شَقِّ المدى" وإخراج الماء (الشوق) من الصخر (العدم) لإرواء العطاشى:
"لي في كلّ قافية عصاً تشُقُّ المدى، وتُخرجُ للعطاشِ شوقا تغنى به خدر العذارى"
هذه الصورة البديعة تختزل فلسفة النصّ كلها. فالشاعرة لا تبحث عن مجد شخصي،بل تبحث عن معنى يتجاوزها. "العصا" هنا هي رمز القوّة والتحوّل والمعجزة.فكما شقّ موسى البحر بعصاه، تشقّ هي المدى بقوافها،لتُخرج للعالم ينابيع من الجمال والمعنى.إنها نبيّة الكلمة،تبحث عن "العطاش" لترويهم ليس بماء الحياة الفانية،بل بشوق الحياة الخالد،شوق المعرفة والجمال الذي تسكن به الخدور وتطرب له العذارى.
وتنتهي الرحلة حيث بدأت،لكن بنبرة أكثر عمقا ويقيناً. "تجمّلتُ" تعود لتقول لنا إن الزينة الحقيقية ليست في "زخرف الثياب" ولا "بندى الشباب" (وهو أجمل ما تملكه الأنثى عادة)،بل في ذلك الصدق المضيء الذي يشبه "صفق الفجر تغريدا".الفجر يصفق،أي يحدث ضجة نورانية تُطرد بها دياجير الظلم والزيف.هي إذن تختار أن تكون صرخة الفجر الصادقة،لا همس الزينة الزائف.وقرارها الأخير ليس خيارا عاطفيا،بل هو قرار وجودي حاسم: "فكان الصدق قرارا".
بهذا،تهدينا الدكتورة آمال بوحرب قصيدة تؤكد أن الحرف هو الملاذ الأخير،والمجد الحقيقي الوحيد. إنه الزينة التي لا تبلى،والجوهر الذي لا يموت، والقوة التي تشق العزلة لتصل إلى العطاشى في كلّ مكان.إنها شاعرة العشق،عشق الحرف،وقد انتصرت.
على سبيل الخاتمة:
حين يصير الحرف مرآة الروح:
في زمن تزاحمت فيه صور الجسد وزخارف الحياة،تأتي قصيدة "تجمّلتُ بالحَرف" كواحة للنقاء الأول،تعيد للكلمة هيبتها،وللشاعرة كرامتها. لقد استطاعت الدكتورة آمال بوحرب أن تحوّل القصيدة إلى معركة وجودية تنتصر فيها الروح على الجسد،والمعنى على المظهر،والخلود على الزوال.
إنّ ما تقدمه لنا هذه القصيدة ليس مجرد نصّ أدبيّ يقرأ ويُنسى،بل هو بيان شعريّ متكامل، ومشروع وجودي يضع الحرف في موضع الزينة الأبدية التي لا تذوي ولا تبلى.هي دعوة صارخة لكل امرأة،بل لكل إنسان،أن يبحث عن جماله الحقيقي في ما يخلّد،لا في ما يفنى.فالحرف،كما تقول الشاعرة،هو القمر الذي لا يغيب،وهو العطر الذي لا يتبدّد،وهو التاج الذي لا يُخلع.
يخرج القارئ من هذه القصيدة وقد ترسّخت في وجدانه حقيقة مؤداها أن الكلمة حين تكون صادقة،وحين تنبع من محراب الشوق طهورا،فإنها تصير نورا يشقّ ظلمات العدم،وماء يروي عطش الأرواح المتعطشة دائما إلى الجمال.وهكذا،تظل قصيدة "تجمّلتُ بالحَرف" شاهدة على أن الأنوثة الحقيقية ليست فيما نضعه على أجسادنا،بل فيما نزرعه في القلوب،وفيما نخلّده في سطور الخلود.
بهذا،تهدينا الدكتورة آمال بوحرب قصيدة تؤكد أن الحرف-كما أشرت-هو الملاذ الأخير،والمجد الحقيقي الوحيد.إنه الزينة التي لا تبلى،والجوهر الذي لا يموت،والقوة التي تشق العزلة لتصل إلى العطاشى في كلّ مكان.إنها شاعرة العشق،عشق الحرف،وقد انتصرت.
وفي نهاية هذه المقاربة النقدية،لا يسعني إلا التأكيد على أن ما كُتب لم يكن وليد علاقة شخصية أو مجاملة عابرة،بل هو استجابة لمسؤولية الضمير النقدي والثقافي الذي يفرض نفسه أمام تجربة إبداعية وفكرية تستحق الوقوف عندها طويلا.إن الانبهار بمنجزات الدكتورة آمال بوحرب،سواء في حقل الشعر أو في ميادين الدراسات والبحوث الفكرية المعمقة،هو الذي يُملي على الناقد واجب الإنصاف والتقدير،حين يجد ضالته في نصّ يُعيد تشكيل الوعي ويؤسس لسؤال الجمال والحقيقة.معتمدا النقد البناء منهجا، والموضوعية سبيلا..
وتبقى هذه القراءة شهادة على أن الشعر الحقيقي قادر على أن يختصر المسافات،ليلتقي المنهج بالوجدان،والناقد بالمبدع،في رحاب الكلمة الخالدة.
محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق